الاخبار الرئيسية

لهذه الأسباب يستهدف المستوطنون والإحتلال حي الارمن في البلدة القديمة من القدس 

102 مشاهدة
لهذه الأسباب يستهدف المستوطنون والإحتلال حي الارمن في البلدة القديمة من القدس 

القدس-واثق نيوز-تشهد مدينة القدس المحتلة تصعيداً خطيراً في عمليات الاستيطان التي تطال الممتلكات العربية والمسيحية، حيث تحولت أنظار الجماعات الاستيطانية مؤخراً نحو الكنيسة الأرمنية والحي الارمني في البلدة القديمة. وتتزايد المخاوف من محاولة تهويد هذه المنطقة الحيوية، وسط حملات ممنهجة تهدف إلى تغيير هوية القدس التاريخية والقانونية. 

تفاصيل الاستهداف وأبرز المعطيات ..
يشير المراقبون إلى أن استهداف الكنيسة الأرمنية لم يعد مقتصراً على المضايقات اليومية، بل تطور إلى محاولات قانونية وميدانية للاستيلاء على عقارات تابعة للبطريركية الأرمنية. وتعود جذور هذه الأزمة إلى عقود مضت، لكنها تصاعدت بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة مع تزايد الضغط الاستيطاني في حارة الأرمن، التي تعتبر واحدة من أقدم الأحياء المسيحية في المدينة.

الجانب القانوني ..

استخدم المستوطنون المحاكم الإسرائيلية للطعن في ملكية الأراضي المملوكة للبطريركية، والعمل على إبطال عقود الإيجار القديمة بحجة قوانين "ملكية الغائبين" أو بذريعة عدم الدفع، وذلك بهدف إخلاء المباني وتسليمها للمستوطنين.
الجانب الميداني ..

هناك محاولات اقتحام متكررة للمباني التابعة للكنيسة، وإقامة نقاط استيطانية داخل الحارة، والاعتداء على رجال الدين والممتلكات، بالإضافة إلى نشر حراسة مشددة حول العقارات المستهدفة لتثبيت الوقائع.
التهديدات المستقبلية ..

تسعى هذه الجماعات إلى خلق "واقع جديد" في المنطقة، يهدف إلى الربط بين المستوطنات في البلدة القديمة وصولاً إلى تغيير التركيبة السكانية المسيحية في القدس، مما يهدد الاستمرارية التاريخية للأرمن في المدينة التي يعود وجودهم فيها إلى أكثر من 1500 عام.
وفي سياق تصاعد الأحداث، أطلقت الجماعات الاستيطانية المتطرفة تصريحات تحريضية واضحة ضد الوجود الأرمني في المدينة. وزعمت هذه الجماعات في بياناتها أن الكنيسة الأرمنية لا تملك أحقية في الأراضي التي تقوم عليها، ووصفت وجود الأرمن في البلدة القديمة بأنه "وضع مؤقت" أو "غزو أرمني" للمقدسات اليهودية، وهو ادعاء يرفضه المؤرخون بشدة.

وركزت هذه التصريحات على محاولة ربط العقارات الأرمنية بعقود مشبوهة تعود إلى فترة الانتداب البريطاني، معتبرين أن هذه المنطقة يجب أن تخضع "للسيطرة اليهودية الكاملة". كما هددت بمواصلة الضغط حتى تحقيق أهدافها الكاملة، متجاهلة القوانين الدولية والإرث الحضاري والإنساني الذي تمثله الكنيسة. وتناقل ناشطون من اليمين المتطرف أقوالاً لمستوطنين زعموا فيها أن "الكنيسة الأرمنية هي مجرد عائق أمام الوحدة اليهودية للقدس".

اللجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس ..
في رد رسمي وحازم، أدانت اللجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس في فلسطين هذه الممارسات الاستيطانية ووصفتها بالخطيرة والمدانة. وأكدت اللجنة أنها تتابع هذه الاعتداءات بقلق بالغ، وتعتبر استهداف الكنيسة الأرمنية جزءاً من حرب ممنهجة تشنها سلطات الاحتلال والمستوطنون ضد الوجود المسيحي في فلسطين عموماً والقدس على وجه الخصوص .

وشددت اللجنة على وقوفها التام إلى جانب بطريركية الأرمن الأرثوذكس في القدس، داعية المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية إلى تحمل مسؤولياتهم الأخلاقية والقانونية في الضغط على إسرائيل لوقف هذه الانتهاكات. وجددت اللجنة التأكيد على أن القدس بكل كنائسها ومقدساتها خط أحمر، وأن هذه المحاولات محكوم عليها بالفشل مهما بلغت قوة الاحتلال، مؤكدة أن هذه الممتلكات محمية بموجب القانون الدولي والاتفاقات الموقعة.

بطريركية القدس للأرمن ..
من جانبها، عبرت بطريركية الأرمن الأرثوذكس في القدس عن استنكارها الشديد لهذه الممارسات، واعتبرتها انتهاكاً صارخاً للقوانين الدولية وللحرمة الدينية. وفي بيان صحفي صادر عن البطريركية، تم التنديد بالتحريض المستمر الذي يمارسه المتطرفون ضد الكنيسة، مؤكدين أنهم لن يتخلوا عن أي شبر من أراضيهم أو ممتلكاتهم التاريخية في المدينة المقدسة.

وأشارت البطريركية إلى أن هذه الاعتداءات تأتي في سياق محاولة فرض أمر واقع جديد، وطالبت الحكومة الإسرائيلية (كسلطة قائمة بالاحتلال) بوقف فوري لهذه الانتهاكات والتدخل لمنع جماعات المستوطنين من مواصلة مضايقة المصلين والرهبان. كما وجهت البطريركية نداءً عاجلاً إلى المجتمع الدولي، وخاصة الدول الغربية والأمم المتحدة، للضغط من أجل توفير الحماية الدولية للكنيسة وممتلكاتها، محذرة من أن استمرار هذه السياسات سيدمر النسيج التاريخي والديني للقدس ويقوض فرص السلام.

حي الأرمن في القدس: هوية تاريخية وجوهر الصراع ..
يشكل حي الأرمن في القدس، الواقع في الزاوية الجنوبية الغربية من البلدة القديمة، واحداً من أقدم الأحياء وأكثرها خصوصية، حيث تبلغ مساحته حوالي 14% من مساحة البلدة القديمة . ويتميز هذا الحي عن غيره من أحياء القدس الأربعة (الأرمني، المسيحي، اليهودي، والإسلامي) بكونه الحي الوحيد الذي يحمل اسم أمة، مما يعكس طابعه القومي والديني الفريد .

نبذة تاريخية عن الوجود الأرمني ..
يمتد جذور الوجود الأرمني في القدس إلى ما يقارب 1700 عام، مما يجعله واحداً من أقدم الشتات الأرمني المستمر في العالم . ويعود تاريخ هذا الوجود إلى القرن الرابع الميلادي، عندما بدأ الرهبان والحجاج الأرمن بالاستقرار في المدينة بعد اعتماد أرمينيا المسيحية ديناً رسمياً عام 301 ميلادي . وتطور الحي تدريجياً حول كاتدرائية القديس يعقوب (سانت جيمس)، التي يعود تاريخها إلى ما قبل العصر الصليبي، واتخذ شكله الحالي خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر في العهد العثماني .

وشهد الحي تغيرات ديموغرافية كبرى على مر التاريخ، أبرزها:

-استقرار أعداد من الرهبان والحجاج منذ القرن الرابع، وتوسع الحي خلال الفترة الصليبية .
-ما بعد الإبادة الجماعية ،شهد الحي تدفقاً كبيراً للأرمن الفارين من الإبادة التي نفذتها الدولة العثمانية بين عامي 1915 و1920، مما أدى إلى زيادة كبيرة في عدد السكان الذين قدّروا بعشرة آلاف لاجئ .
-أدت الصراعات المتعاقبة، خاصة حربي 1948 و1967، والسياسات الإسرائيلية، إلى انخفاض حاد في عدد السكان الأرمن من حوالي 16,000 نسمة قبل 1948 إلى ما بين 1,000 و2,000 نسمة فقط اليوم .
-كان الحي ولا يزال مركزاً ثقافياً واقتصادياً مهماً، حيث احتضن أول مطبعة في القدس عام 1833، وأول استوديو للتصوير الفوتوغرافي . وتتجلى فيه معالم بارزة مثل كاتدرائية القديس يعقوب، ومكتبة كولبنكيان، والمدرسة اللاهوتية، إضافة إلى المعهد اللاهوتي والساحات المفتوحة .

الأسباب السياسية الإسرائيلية لاستهداف الحي ..
يجمع المراقبون والمحللون على أن استهداف حي الأرمن ليس مجرد نزاعات عقارية معزولة، بل هو جزء من استراتيجية سياسية إسرائيلية أوسع تهدف إلى تهويد القدس وتغيير تركيبها الديموغرافي والتاريخي. وتتضح هذه الأسباب في عدة جوانب:

سياسة التهويد والتمدد الاستيطاني: يُعتبر استهداف الممتلكات الأرمنية حلقة في مسلسل طويل من محاولات تهويد البلدة القديمة من خلال السيطرة على عقارات وممتلكات غير يهودية، خاصة في المناطق ذات القيمة الرمزية والتاريخية . ويندرج هذا ضمن رؤية استيطانية أوسع لتقليص الوجود المسيحي والعربي في القدس .
الاستهداف القانوني والضريبي: تمثل الضرائب الباهظة أداة ضغط رئيسة. ففي عام 2018، أنهت سلطات الاحتلال إعفاءً ضريبياً استمر قرنين للكنائس، وطالبت البطريركية الأرمنية بدفع ضرائب بأثر رجعي يعود إلى عام 1994، مما خلق ديوناً طائلة استخدمت كذريعة للتهديد بمصادرة الممتلكات . ووُصفت هذه الإجراءات بأنها "أبرتهايد ضريبي" تستهدف بشكل خاص المجتمع الأرمني الأصغر والأكثر هشاشة .
عقود إيجار مشبوهة وتواطؤ استيطاني: أثارت صفقة تأجير "حديقة البقر"، التي تبلغ حوالي 25% من مساحة الحي ، لشركة إسرائيلية لمدة 98 عاماً لبناء فندق فاخر، موجة احتجاجات واسعة . ووثّق المحتجون علاقات بين المستثمرين ومنظمة "عتيرت كوهانيم" الاستيطانية، التي تسعى لتوسيع الوجود اليهودي في البلدة القديمة، مما يؤشر إلى وجود مخطط استيطاني منسق .
الإرهاب اليومي والترهيب: لا تقتصر الضغوط على الجانب القانوني، بل تتضمن ممارسات ترهيبية يومية مثل الاعتداءات اللفظية والجسدية من قبل المستوطنين المتطرفين، والبصق على رجال الدين، وكتابة شعارات تحريضية مثل "الموت للمسيحيين" . كما شهدت حديقة البقر اعتداءات متكررة بالغاز المسيل للدموع والهراوات .
تجريد السكان من صفة المواطنة: يعاني الأرمن في القدس من وضع قانوني هش، إذ يُصنفون كـ"مقيمين دائمين" وليسوا مواطنين، وهي الصفة نفسها الممنوحة للفلسطينيين في القدس الشرقية المحتلة، مما يجعل إقامتهم قابلة للإلغاء إذا سافروا أو عاشوا في الضفة الغربية، وهو عامل رئيس في تراجع عدد السكان .
ويجمع المحللون على أن هذه السياسات، بما في ذلك الضغوط الضريبية والعقود المشبوهة والاعتداءات، تشكل تهديداً وجودياً للوجود الأرمني في القدس، وقد وُصفت بأنها "تهدف إلى طمس تاريخ 1700 عام" . ويُعتبر هذا الهجوم على حي الأرمن مؤشراً على تحدٍ أوسع للوجود المسيحي والفلسطيني في المدينة .
 
 ويبقى الوضع في حي الأرمن متوتراً، في ظل جمود دولي وغياب رقابة فعلية على جرائم الاحتلال والمستوطنين، مما يضع مستقبل أحد أقدم المكونات المسيحية في المشرق العربي على المحك.

حالة الطقس

حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية