الكاتب : الدكتور رائد ناجي
في كل مجتمع عظيم صوت لا يرضى بالانصياع لصدى العادي ومنحنى المألوف، صوت ينبش في الذاكرة والحقيقة والوجدان ليحفر أعمق معنى في لحظة الانسان. رابح خدوسي، الأديب الجزائري الذي وُلد بين جبال الأطلس البليدي، لم يكن مجرد كاتب ينظم الكلمات في صفحات، بل كان ظاهرة ثقافية وفكرية صنعت في داخله الاتحاد بين القسوة والجمال، بين الألم والبهجة، وبين التاريخ والخيال.
طفولته بين أحضان الطبيعة والجبال، حيث الهواء النقي والقرى المتناثرة، صنعت حسه الإبداعي المبكر، وجعلته يحمل الوطن في دمه قبل أن يحمل القلم. هذه البيئة القاسية الجميلة زرعت فيه روح البحث عن الحقيقة والوفاء للذاكرة الجمعية للأمة، وهو ما يتجلى في أعماله التي تمزج بين الواقعية والخيال، بين القصة والرواية، بين النص الشعري والنثر الفلسفي.
حين التحق بالسلك التربوي، رأى في المدرسة أكثر من مؤسسة تعليمية، بل ميداناً لصياغة الانسان الجزائري، وتعمق في فهم أبعاد التربية والفكر، وجعل من خبرته التعليمية حجر أساس في مشروعه الأدبي. هذه الرؤية التربوية انعكست لاحقاً في مؤلفاته، حيث يمزج بين الثقافة الشعبية والموروث التاريخي ليصنع نصوصاً قادرة على التواصل مع جميع شرائح المجتمع.
رابح خدوسي لم يقتصر على الرواية والقصة، بل وسع مشروعه الأدبي ليشمل أدب الطفل، فكان له حضور متميز في سلاسل قصصية تنمي الخيال وتزرع قيم الإنسانية والوطنية، وتعلم الطفل كيفية رؤية العالم بعيون مفتوحة وقلب واعٍ. وفي الوقت ذاته، لم يغفل الأدب الموسوعي والتاريخي، فساهم في تدوين ذاكرة الأمة وتسجيل مآثرها وقصصها وعلمائها، ليخلق بذلك جسراً بين الماضي والحاضر، بين الجيل القديم والجديد.
في أعماله الروائية، يبرز قدرة فريدة على المزج بين الواقعي والتخيلي، بحيث لا تتحول النصوص إلى وثائق جامدة ولا إلى أوهام بعيدة، بل إلى سرد متماسك ينبض بالحياة والوعي في آن واحد. رواياته تتناول الإنسان الجزائري بكل تناقضاته، بكل آلامه وانتصاراته، بكل أحلامه وضياعاته، لتكون مرآة صادقة للواقع ومتاهة حية للخيال.
إن سمة الخدوسي الكبرى تكمن في الشمولية، فالقارئ يجد بين دفتي كتابه تجربة إنسانية متكاملة، تدمج المعرفة والتاريخ والخيال والفلسفة، دون أن يفقد النص انسجامه وسلاسته. وهكذا، تتحول رواياته وكتبه إلى مرايا للعقل والوجدان، ووسيلة لفهم الذات والوطن، وللتمحيص في معنى الانسانية والحياة.
أما التحدي الحقيقي الذي يواجهه الأديب، فهو البقاء صادقاً في زمن تتسارع فيه الكلمات وتفقد قيمتها، لكن رابح خدوسي ظل صامداً، مؤمناً بأن الأدب ليس ترفاً بل ضرورة للحياة، وأن القلم أقدر الأسلحة على رسم طريق الانسان نحو ذاته، وعلى منح الوعي معنى وحرية.
في رحلته الطويلة بين الحبر والوطن، صنع خدوسي تاريخاً أدبياً شامخاً، وترك بصمة لا يمكن محوها في قلب الثقافة الجزائرية الحديثة، وأكد أن الأديب الحقيقي لا يكتفي بالسرد، بل يسهم في صناعة الوعي، ويحفز على التفكير، ويصنع من الكلمات جسوراً تصل بين الانسان والعالم.
رحلة رابح خدوسي هي رحلة الإنسان الجزائري بامتياز، بين الحلم والواقع، بين الأمل والمعاناة، بين التاريخ والخيال، وهي شهادة حية على أن الأدب هو مرآة الحياة ونافذة الفكر، وأن الكاتب الصادق قادر أن يجعل من الحبر سلاحاً، ومن الورق وطنه الثاني، ومن القصة جسراً بين الأجيال.
الكاتب : المتوكل طه
***
يرى ثمّ ينسى.
لقد دبَّ في رُكْبَتيهِ الجليد،
وصار سريعَ التقلُّبِ؛ يضحكُ، يغضبُ،
يأمُرُ أنْ يَقتلوا الطيرَ، حيناً،
وحيناً يُهادلُ أسْرابَها، في الفضاءِ السّعيدِ،
ويمشي وئيداً، كأنَّ الزجاجَ تكسّرَ في النَّعْلِ،
والجَمْعُ مِن حَولِهِ،
في البهاءِ الرّغيد..
يُنادي على الكاهنِ الأُرجوانيِّ،
ماذا رأيتُ؟
- يسألهُ أن يفسّر ما مرَّ مِن بين عينيه، في الليلِ -
لكنّه حارَ ما بينَ جَهْل السّوادِ، وحَدِّ الوعيد!
فقال له: سيدي! إنها بعضُ أضغاثِ سُهْدٍ شديد!
وكيف لنا أن نرى مُبْهَماً لا يُرى،
هل تُرى سوف أكذبُ حتى ترانيَ ذاكَ الرّشيد؟
لو أنَّها رؤيةٌ لاستبانت، وكنّا لها قارئينَ،
ولكنّها، من بقايا سحائب هَمٍّ، يمرُّ على أكثرِ الناسِ..
***
ماذا تقولُ؟ انتبه!
لستُ من طينةِ الخَلْقِ،
إنّي من الضوءِ، والبَدْرُ أُمّي،
ولي هذه الأَنْهرُ الجارياتُ، والأنْجمُ السابحاتُ..
على ما تهادى على ضِفّتي من جَمالٍ مَشيد!
اقتلوه..فقد أَعْجَزَتْهُ الحقائقُ،
وأتوا إليَّ برأيٍ سديدٍ..
وإلّا!
فيأتونَ بالشُعراءِ الفحولِ،
الذين يُخالِطُهم عَبقرٌ في القصيد..
وجاءوا بموشومةٍ جدُّها عائفٌ، لا يخيبُ،
وجاءوا بِقرّاءِ رَمْلِ الكثيبِ،
ومَن يتنبأُ بالغَيْثِ عندَ المغيبِ،
وجاءوا بكلِّ ولِيٍّ مُريدٍ، وغَوثٍّ عَميدٍ،
ومَن شرَّدتهُ النّوايا، ومَن أهلكتهُ المنايا،
ومَن فكَّ حَرْفاً،
ومَن طوَّحتهُ السنونُ وأضحى حكيماً بِعُمْرٍ مديد..
وكانوا يعودون دون رؤوسٍ،
فهذا الهَشيمُ وذاكَ الحَصيدُ..
***
فما يفعلون؟ وقد أُسْقِطَ الأمرُ في يَدِهِم.
مَن لا يرى ما يُريدُ..يموتُ،
ولمّا يجد كَفَناً في الجَريد!
وَجِيءَ بِعرّافهِ في الصباحِ، وكان يَعوفُ..
فقالَ بأَمْرٍ لهُ، دون وَجْهٍ:
عليكَ الدخولُ إلى رؤيتي، فاعبُرْ، الآن، وانظُرْ..
وقلْ لي..
قال: يا سيّدي! قد رأيتَ، وأنتَ على العَرْشِ
أنكَ تحكمُ ألفاً،
وبعدكَ يأتي الوريثُ، على رأسهِ فِضّةُ التّاجِ،
ثمّ يجيءُ الصغيرُ، وفي يدهِ خاتَمُ العاجِ،
والنَّصْلُ، ما كان مِن جَدِّهِ، للحفيد.
ودرَّتُكَ الكهرمانُ، والعَرْشُ من خالصِ الموجِ،
لكنَّ مَن سوف يأتونَ إثْرَكَ لن يجلسوا فوقَ سُنْدُسِهِ،
فالقبابُ، على مدِّ ألفٍ، ستسقطُ في البئرِ،
والماءُ يصدأُ مثلُ الحديد.
سينسون، للأسفِ المُرِّ، ما مَرَّدَتهُ يداكَ،
من الحُسْنِ في الطرقاتِ،
ويمشون، دون التفاتٍ، إلى ما تبقّى من العاليات،
لأنّ الظنونَ ستغلبُ أسئلةَ الجائعينَ،
وتجتاحُ أيامَهم فِتنُ الذّاريات..
ويأتي المماليكُ، بعدَ الهلاكِ، لكي يحكموا القصرَ..
يا ويلَ نَجْمَته من ظلامِ الغُزاة!
ويبقون دَهراً وأكثرَ، حتى يهبَّ الصناديدُ..
يمشون للشاطئ السُكَّريِّ،
ويبنونَ مملكةً من قلاعٍ البحارِ،
وترتبكُ السّاريات،
وتمشي إلى أوّلِ المجدِ،
في حَرْبِها، ذات عامٍ مريرٍ،
وتخفقُ راياتُهم بالنشيد.
ولكنَّ سيّدةً من غبارِ الدّماءِ تُباغتُ أعيادَهم،
في الهزيعِ،
وتحرقُ ما ظلَّ من شجرٍ في الصَّعيد.
وتغزلُ ألفَ جديلةِ حربٍ،
على كلِّ مَن لا يجيء إليها، ركوعاً،
وتشربُ كلَّ الينابيعِ،
تأخذُ غيمَتَهم من قريبٍ،
وتسْحقُ غابتَهم في البعيد.
ومِن بعد ألفٍ يعودُ الفتى السّرمديُّ،
إلى تلّةٍ في المدينةِ، يصرخُ فيها،
ويرفعُ شارَتَه للسماءِ،
ويكشفُ سرَّ اللهيبِ المجيد.
وتبدأُ حربُ النهايات..
***
ماذا تقولُ؟ توقَّفْ.
هل قلتَ إنّي رأيتُ السنينَ تباعاً،
وإنّي سأخسرُ مملكتي، بعدَ ألفٍ،
وتخضعُ، ثانيةً، للعبيد؟
اقتلوهُ..فإنّيَ باقٍ،
وتبقى سلالاتُ روحي إلى أبدٍ لا يبيد..
اقتلوهُ..
وإنْ كان لا بُدّ، فالموتُ للأرضِ،
حتى أظلَّ أنا دون كلِّ الممالِكِ،
وحدي سأبقى..
ووحدي سأحكمُ..
لا صوتَ يبقى سوى رَنَّتي في البلادِ،
فَلا دمَ يشبهُ لونَ جداول ساقيتي في الوريد.
اقتلوه..هنا، الآنَ..
- لا مِن رجاءٍ ولا مِن بكاءٍ ولا مِن مزيد -
..تذكّرتُ؛ كنتُ على شُرْفةِ النَّصْرِ،
والناسُ تهتفُ..ترجو بقائي،
وتسأل، كي أرتضي ظَهْرَهُم سُلَّماً للخلودِ،
وكانت جموعٌ بلا عددٍ..
***
واستيقظ الرجلُ النائمُ القَلِقُ المُستَبِدُّ العنيدُ،
وكانَ وحيداً..
ولا شيءَ، مِن حولِهِ، غيرُ ظِلِّ الوحيدِ القَعيدِ،
ولا شيءَ غيرُ الكَميدِ الشّريد..
الكاتب:باسم خندقجي
لماذا لا أتذكر هذا الرقم المتسلسل سوى باللغة العبرية؟ والأهم من هذا لماذا لا أقوى على الاستمرار في قراءة كتاب «إذا كان هذا إنساناً» لبريموليفي؟
ذلك كان اسمي هناك والشيفرة التي أقحموني بها وأحالوني إلى مجرد رقم آخر في قوائم وخانات نظام تفكيك ومحو الملامح الإنسانية، الذي كان وما زال يطبقه وينتهجه السجان الصهيوني ضد الأسرى الفلسطينيين والعرب بصورة خاصة، والشعب الفلسطيني برمته بصورة عامة.
لربما كانت الأرقام أيسر ومحايدة وباردة أكثر، تلك الخانات والمصفوفات الرهيبة ذات الأهوال العقلانية الناجمة عن بيروقراطية الإبادة، وذلك الاتحاد المرعب والمخيف ما بين المعرفة والعنف المنظم المدعوم بالقوة الغاشمة، إذ إن الأرقام تمنح للسجان المستعمِر القدرة على التحكم، والإمعان أكثر في بلورة ضمير أخلاقي فردي وجمعي يكفل له الاستمرارية المكفولة بالشرعية في إقصاء وتفكيك وإزاحة الفلسطيني السجين المستعمَر، إلى جانب امتلاك القدرة على البقاء وإقناع الذات الاستعمارية المهيمنة بأنها ذات إنسانية ممتلئة بخطاب دفاع الضحية عن وجودها، والسعي الدائم نحو الانتقام وإنكار تهمة الجلاد الذي استحالت إليه الذات اليهودية بتمثيلاتها الصهيونية الفاشية.
وأنا كنت الرقم 1198076 ولا أتذكره وأذكره إلا بالعبرية، لأنه لم يخترق وعيي النابض بلغتي الأم العربية، لغة أحلامي وأملي وخيالي ومآلات استعادتي لإنسانيتي، لا أذكره إلا بالعبرية، تلك العبرية المشحوذة بالانتقام والثأر والفاشية، والإصرار على الوجود والبقاء الممسوس بالشر وتفاهته، ولكنها ليست عبرية بريموليفي، الذي كتب موثقاً تجربته الرهيبة في معسكر التجميع والإبادة النازي «أو شفيتز»، هو الذي دوّن معاناته بالإيطالية، ولم يستطع تحمّل العطب الذي أصابه هناك ليقرر في أبريل/نيسان 1987 الانتحار بإلقاء نفسه من شرفة لم تكن له، نحو خلاصه ربما.
غير أنني عندما شرعت بقراءة روايته المفجعة بدأت أشعر بالاختناق والتوتر، عندما أثارت كلماته أعاصير ذاكرة المعتقل رقم 1198076 في غياهب السجون الصهيونية، بلى لم ولن أنسى ما ألمّ بي هناك، لدرجة أنني لم أقو على استكمال القراءة، مسّني الخوف والغضب والحزن والألم، حين لمحت ذاتي في انطباعاته وكلماته، إلى أن صرختُ بلوعة، كفى أخي بريمو لا تكمل البوح، فأنا أعلم وأدرك بقية الحكاية التي لم تنته بعد، أعلم البرد والجوع والخوف والتحكم والإقصاء والتعسف، وذلك الشيء، ذلك الشيء المخيف ببروده وعقلانيته وتصالحه مع شؤون وأعباء وحشيته، إذ هو العقل المدبر لسياسات تفكيك الإنسانية كافة، والذي يتغذى من ذات الجذر الذي تغذى على بريموليفي وظلاله وأشباهه، حين اندلعت شياطين التنوير والعقلانية والحداثة بأبشع صورها في ميادين التاريخ المركزي الجديد إبان ويلات الحربين العالميتين الأولى والثانية، وحتى يومنا هذا الذي يشهد ويشاهد به العالم الإبادة الجماعية الزاحفة والمستمرة بحق شعبي الفلسطيني.
وها أنا الآن هنا لست بريموليفي ولن أكونه، بل كنته هو أخي في المعاناة وجراحات ربما لن تُشفى، ومآلي لن يكون كمآله لأنني لا أتذكر رقم الإقصاء واللاإنسانية سوى بالعبرية الصهيونية، وأعلم تماماً أنني سأكتب ما كنت به من سجن وإبادة، وسأحيل الرقم المتسلسل إلى حروف مضيئة بالحياة والحب والإنسانية، وسأشحذ كلماتي بإرادة تأبى الانكسار، فلغتي لم ولن تخذلني في أوج حربي هناك مع السجان المستعمِر، فلغتي هي الخلاص وهي الشرفة التي لطالما أشرفت منها على عالم سيكون لي ولشعبي به ما نريد.
القاهرة-واثق نيوز-صدرت حديثًا في القاهرة رواية "ملف مُصنَّف سري" للكاتب د.عاطف سلامة عن دار اسكرايب للنشر والتوزيع بالتعاون مع دار أدابيا للنشر والتوزيع وهي عملٌ روائيّ مكثّف، يمتد على 184 صفحة.
وفي هذا العمل، لا تُروى الحكاية كاملة… بل تتسرّب كضوءٍ خافت من شقٍّ ضيّق، وتتركك في مواجهة أسئلةٍ أكبر من أي إجابة.
تبدأ الرواية من تحت الركام، حيث يُدفن "آدم" حيًّا بعد قصفٍ يهدم عالمه، ليجد نفسه عالقًا بين الغيبوبة والوعي، بين الألم والبقاء.
ومن فتحةٍ صغيرة بحجم كفّ اليد، لا يرى فقط الضوء… بل يكتشف عالمًا خفيًّا يدور خلف الجدران—عالمًا من الأسرار، والتحقيقات، والاختبارات التي تتجاوز حدود الواقع.
ومع تصاعد الأحداث، تتلاشى المسافة بين المُراقِب والمُراقَب، بين الحقيقة والوهم، ليصبح السؤال الأهم: هل ما نراه هو الحقيقة فعلًا… أم مجرد ملف آخر لم يُكشف بعد؟
"ملف مُصنَّف سري" ليست مجرد رواية، بل تجربة نفسية وإنسانية تتسلّل بهدوء إلى داخلك، وتبقى هناك طويلًا.
جدير بالذكر أن رواية "ملف مُصنَّف سري" تأتي ضمن سلسلة روايات الحرب " نحن الشعب الذي لا يموت " .
الكاتبة : سناء شخشير
حين تطلق الرصاصة صوتها، تظن أنها قالت الكلمة الاخيرة. لكن التاريخ، في منطقه العميق، يعرف ان ما يكتب بالعنف لا يدوم، وان ما يصاغ بالكلمة يبقى ،الرصاصة حدث عابر والقصيدة وعي يتراكم، وسردية تتشكل، وذاكرة تعيد تعريف الزمن.
في عالم يعلو فيه ضجيج رصاص القوة ، يبرز سؤال قديم متجدد: ايهما ابقى، الرصاصة ام القصيدة ؟ الرصاصة سريعة وحاسمة، تخترق الجسد وتفرض واقعا آنيا، لكنها تظل اسيرة اللحظة ، في المقابل، تتحرك القصيدة في فضاء ابعد من الحدث، تدخل في بنية الوعي الجمعي، وتعيد تشكيل الادراك والمعنى وهنا يتقاطع السياسي مع الثقافي، ويتحول الصراع من مجرد مواجهة الى صراع على الرواية والتمثيل والرمزية.
الرصاصة تعبير عن القوة الصلبة، عن فعل مباشر ينتمي الى منطق الهيمنة، بينما القصيدة تنتمي الى القوة الناعمة، الى ما يسميه الفلاسفة “سلطة المعنى”، حيث لا يكون التأثير في الجسد بل في الوعي. ومن هذا المنظور، لا تعود القصيدة مجرد نص ادبي، بل تصبح ممارسة ثقافية مقاومة، تعيد انتاج الحقيقة في مواجهة محاولات الطمس والتشويه .
في التجربة الفلسطينية، لم تكن المواجهة يوما محصورة في بعدها المقاوم لسياسات الاحتلال ، بل كانت ايضا معركة سرديات بامتياز. حاول الاحتلال، عبر خطاباته وممارساته، اختزال الانسان الفلسطيني في رقم، والارض في جغرافيا بلا روح ، غير ان القصيدة الفلسطينية تدخلت بوصفها خطابا مضادا، يعيد الاعتبار للإنسان الفلسطيني والعربي كقيمة، وللمكان كهوية، وللتاريخ كسردية مفتوحة على المستقبل.
ولم يكن الشعر في هذا السياق ترفا ثقافيا، بل ضرورة وجودية. في ظل ما يسميه بعض المفكرين “العنف الرمزي”، حيث يتم تشويه الحقيقة واعادة انتاجها وفق موازين القوة، جاءت القصيدة كفعل مقاوم يعيد التوازن للمعنى ولقد حمل الشعراء الفلسطينيون عبء الذاكرة، وحولوا المعاناة الى نص، والنص الى وعي، والوعي الى حالة جمعية تعزز الصمود.
القصيدة هنا لا تنافس الرصاصة في مجالها، بل تتجاوزها ، فهي لا توقف الحدث العنيف، لكنها تمنع تحوله الى نسيان وهذا ما يمنحها بعدها الفلسفي فهي تقف في مواجهة العدمية، وتؤكد ان للانسان قدرة دائمة على اعادة انتاج المعنى، حتى في اكثر اللحظات قسوة وبهذا المعنى، تصبح القصيدة شكلا من اشكال المقاومة الوجودية، حيث يكون الحفاظ على السردية شكلا من اشكال البقاء.
لقد لعبت القصيدة دورا محوريا أجتماعيا في ترميم النسيج الجمعي، خاصة في ظل التشتت والانقسام وشكلت مساحة مشتركة للوجدان، واعادت تعريف الانتماء بوصفه تجربة وجودية وشعورية وثقافية ، لا مجرد علاقة جغرافية. حتى على المستوى العاطفي منحت الناس لغة للتعبير عن الفقد، وحافظت على حضور الحب كقيمة انسانية في وجه محاولات التجريد والقسوة.
في المقابل، تبقى الرصاصة فعلا محدودا بإطاره الزمني والمكاني. قد تفرض صمتا، لكنها لا تستطيع ان تبني خطابا، ولا ان تؤسس لمعنى مستدام وهنا يظهر الفرق الجوهري بين الفعلين الرصاصة تشتغل في مستوى الحدث، اما القصيدة فتشتغل في مستوى التاريخ. الرصاصة تنهي لحظة، اما القصيدة فتفتح زمنا.
ان القضية التي لا تروى، تصبح عرضة لاعادة التشكيل وفق روايات الاخر والنضال الذي لا يمتلك لغته الانسانية، يفقد بعده الاخلاقي ، من هنا، يصبح الشعر ليس فقط تعبيرا، بل ضرورة سياسية وثقافية وعلمية وفكرية ونضالية ، لانه يحمي السردية من الاختطاف، ويمنحها شرعيتها في الوعي العالمي المتقلب.
في النهاية، قد تمر الرصاصة وتترك اثرها، لكنها تظل لحظة في سجل الزمن.، اما القصيدة ، فتبقى كأثر ممتد ، كذاكرة حية ، وكحقيقة يعاد كتابتها كلما حاول النسيان ان ينتصر ولهذا، كلما اعتقدت القوة انها حسمت المعركة، كانت الكلمة تعود لتعلن ان الحكاية لم تنته بعد .
الكاتب : تحسين يقين
لم يكن قد أكمل العشرين ربيعا حين لحّن وغنّى واحدة من روائع الغناء العربي، التي ألهبت الجماهير من المحيط الى الخليج، فكان أن لبّت الأمة بمشاعرها ذلك النّداء، الذي امتزج فيه الفنان اللبنانيّ أحمد قعبور بالشاعر الفلسطينيّ توفيق زيّاد.
لحن أحمد قعبور قصيدة "أناديكم" عام 1975 بعمق البساطة، من داخل النفس الإنسانية الوطنية، فما لبثت أن انتشرت كالضياء، فلا تكاد تتمشى في شوارع بلادنا، إلا وتصاحبك الأغنية، من بيت إلى بيت، ومن متّجر الى آخر، ومن مقهى إلى ساحة الى مدرسة وجامعة، فها هو يبدأ بلحن النداء:
أناديكم وأشدّ على أياديكم..
وأبوس الأرض تحت نعالكم
وأقول: أفديكم
ثم لنشعر بالحنان والحب في اللحن البسيط العميق وهو يحنّ على من يناديهم هناك في الوطن:
وأهديكم ضيا عيني ودفء القلب أعطيكم
فمأساتي التي أحيا نصيبي من مآسيكم.
ويكاد الغناء يكون سرد مونولوج جميلا، فغنّى بما يشبه النداء الداخليّ في النفس:
أنا ما هنت في وطني ولا صغرت أكتافي
وقفت بوجه ظلّامي يتيما، عاريا، حافي
حملت دمي على كفي وما نكست أعلامي
وصنت العشب الأخضر فوق قبور أسلافي
في ظل ذلك يرتفع الصوت بما يشبه التحديّ:
وقفت بوجه ظلامي يتيما، عاريا، حافي
تساءل كثيرون، كيف استطاع تلحين هذه القصيدة من الشعر الحرّ وهو في أول حياته الفنية؟
تلك عبقريّته!
هذا جواب مقترح على السؤال؛ فليست هناك إجابة مهنيّة، بل إجابة إبداعيّة، وهي إجابة محتملة، تأتي في سياق إبداع عدد من الفنانين من رسامين وشعراء وملحنين وأدباء، فهكذا كان الراحل بليغ حمدي وتوفيق الحكيم وجبران خليل جبران، حين أبدعوا وهم تحت العشرين وآخرون.
كان أحمد قعبور ابن 9 سنوات حين كتب محمود درويش عام 1964 سجّل أنا عربي، و10 سنوات حين كتب سميح القاسم "لن أساوم" عام 1965، أما عندما كتب توفيق زيّاد "قصيدة أناديكم" عام 1966 فكان أحمد ابن 11 عاما، فلم يكن يدر بخلد الطفل بأنّ حياته سترتبط بهذه القصيدة وفلسطين القضية الأكثر نبلا، ولا دري توفيق زيّاد بأن قصيدته ستصير على لسان الملايين، شعارا ثوريّا وسلوكا مقاوما.
وتتجلى العبقرية في الشعر كما التلحين، ولعلنا نختار أغنية "يا رايح صوب بلادي" التي غناها وكتبها عام 1982:
يا رايح صوب بلادي دخلك وصلي السلام
بلغ أهلي وولادي مشتقلن رف الحمام
سلي أمي يا منادي، بعدا ممنوعة الأحلام
وقلها أياما ببالي، والله بتعزّ الأيام
بدأ القصيدة الغنائية بنداء للذي يتجه نحو الوطن المحتل في جنوب لبنان وفلسطين، بتبليغ سلامه للأهل الذين يعانون من حريّة الحلم، مؤكدا على أنّ الابن، بما يمثّله من الجيل الجديد، وفيّ لذلك الوطن الذي يسكن الأمّ ويسكننا جميعا في الأرض المحتلة والمنفى.
ثم يتابع أحمد قعبور الشاعر الغنائيّ هنا، مركّزا المناداة على من هم في محيط نهر الليطاني والنبطية والخيام، وهنا لربما يتجلّى الخطاب- النداء، بشكل حميميّ، للأهل في القرى اللبنانية الحدودية، المطلة على فلسطين، والتي يتواجد فيها اللاجئون الفلسطينيون، فكأنه يكتب رسالة يبلغ فيها السلام للأهل. وهو هنا بكلّ بساطة وعفوية يذكر الحاج محمد المشتاق للأهل والرفاق، والذي لا ينام شوقه للبلاد ولمّ الشّمل:
ويا رايح صوب الليطاني دخلك وصلي السلام
صبح أهالي النبطية وطل شوية ع الخيام
وقلا أنه الحج محمد مشتاق لأهله ورفقاته
بحي السلم ما اتهنوا، اشتاقت عينه لتراباته
قلها عيونه نامت لكن صاحي قلبه ما بينام
ويتابع هذا الحنين الشجن، في مناداة الذاهب نحو "كفر متى"، متتبعا أماكن متفرقة من لبنان، رابطا تبليغ السلام "لغيمات كفر متى"، وإعلام تلك الغيوم عن الفتاة الصغيرة التائهة عن الأهل، والتي تحتاج الحنان والأمان:
ويا رايح صوب كفر متا دخلك وصلي السلام
وبلغ غيمات كفر متا واصلها رف الحمام
وقلها عندي بنت صغيرة ع التلة نسيت شالا
عن أهلها سألتها وعن بيتها، بتحكي وما بتعرف حالها
يابا ضاعت وصلت لكفر متا غنولها شوية تتنام
ويختتم قعبور بالطّلب من المتجه نحو "المنارة"، حيث يختتم هنا بالحنين لملاعب الطفولة والأمل بالبقاء المتجلي رمزا في شجرة رمان يوصيهم بحنان بإروائها:
ويا رايح صوب المنارة فتشلي عن حرش العيد
وبالعالي طير طيارة وقلي وين صار القرميد
إيه ونادي كان في عندنا ساحة نلعب فيها من زمان
ونادي كانت حول بيوتن حلوة أشجار الرمان
قطعوها وبقيت واحدة، اسقوها شوية حرام
حملت أغاني أحمد قعبور سيرة حياة فلسطين، وهكذا فإنّه قدّم لنا رائعة "يا نبض الضفة" وهي من شعر حسن ظاهر، التي صارت نشيدنا، منذ عام 1976، والتي خلّد من خلالها استشهاد الطالبة لينا النابلسيّ في نابلس، التي أطلق عليها محتلّ الرصاص بدم بارد من مسافة صفر.
تميّز قعبور بشعورين ظهرا في ألحانه وصوته، وهما الرقّة والحنان، والقوة الثائرة، حيث تبادلا الظهور في الغناء، فهو يحنو حين يكون هناك الشعب، وهو يقسو على الاحتلال. كانت الأغاني آهات وطلقات صادحة، ظهر ذلك في أغانيه، ومنها "ارحل" و"لاجئ".
لقد افتتح الفنان الكبير "أبو عرب" من الجليل الغناء للعروبة ولفلسطين منذ الخمسينيات، ثمّ الشيخ إمام بمصر، ثم لينضم في السبعينيات الفنان اللبناني مارسيل خليفة، والسوري سميح شقير المنتمي للجيل نفسه الذي ظهر في السبعينيات مثل أحمد قعبور، ومبدعو فرقة صابرين في القدس المحتلة، بقيادة الفنان سعيد مراد، والفنانة كاميليا جبران.
القدس- واثق نيوز-محمد زحايكة-التقينا بالشاعر الدكتور الطبيب جمال سلسع زمن مجلة الفجر الأدبي التي كان يرأس تحريرها الزميل الراحل الأديب والكاتب المعروف علي الخليلي ابو سري رحمة الله عليه ، حيث اعتاد هذا الشاعر الساحوري ،من بيت ساحور - التلحمي المعتد بنفسه ، زيارة علي الخليلي الذي كان يهتم بنشر قصائده سواء في الصحيفة اليومية وخاصة الصفحة الأدبية او في المجلة المتخصصة بالادب " الفجر الادبي" لاحقا .
حريص ودقيق ..
وكان الشاعر جمال سلسع حريصا جدا على ان تنشر قصائده المفعمة بالروح الوطنية والإنسانية في مكان لافت وان تخلو من الأخطاء المطبعية والنحوية لاعتزازه الشديد باللغة العربية التي تقود وحيه الشعري المتدفق بغزارة.
كان اهتمام سلسع بقصائده وأشعاره في ان تكون في الطليعة، لا يعني البتة، عدم اهتمامه بالمشهد الشعري الفلسطيني والعربي حيث بدا مطلعا حتى النخاع على ما يمور به هذا المشهد من حراك إبداعي أصيل ومن اطلالات واعية لشعراء جدد بدأوا بحجز مكان لهم بين جمهرة الشعراء الكبار .
صعود نجم..
والحال هذه فقد أحاطت بالشاعر سلسع جملة من الاحداث ساعدت في صعود نجمه الشعري حين تنبأت بعض قصائده وإحدى مسرحياته بالانتفاضة الأولى حيث عنوٌن احدى قصائده ب " عندما تتكلم الحجارة " سنة واحدة قبل الانتفاضة ومسرحية " سر الفداء " أربع سنوات قبل اندلاع الانتفاضة . مما جعل بعض النقاد يولون مجموعاته الشعرية وقصائده اهتماما خاصا حينها وبعد ذلك ربما ..؟!
عاشق في محراب الشعر..
وعندما تلتقي بالشاعر جمال سلسع تلحظ مدى عشقه للشعر والثقافة عموما وممارسته للنقد الادبي وكتابة الروايات في وقت متأخر من عمره المديد ، ثم لا بد أن تشعر بأن وراء نظراته الصارمة وتقاطيع جبينه الجدية ، قلب طفل في ثوب رجل ، فهو كتلة من المشاعر الوجدانية المتحركة المجبولة بالطيبه والمحبة والعاشقة لوطنها وقدسها تلك المدينة التي تغنى بها على الدوام كما فعل مع مدينتي بيت لحم وبيت ساحور ومدن فلسطينية أخرى.
الجيل الجديد..
وجمال سلسع ورغم تقديره لكبار شعراء وادباء فلسطين من أمثال محمود درويش وسميح القاسم واميل حبيبي ومحمود شقير ، كان يطالب دائما ، بأن يأخذ الجيل الجديد من الشعراء والادباء فرصتهم وأن لا تبقى الساحة حكرا على الكبار ، لدرجة رأى فيها بعض النقاد انها ثقة زائدة بالنفس من لدن سلسع فيما اعتبرها آخرون دليلا على ضرورة افساح المجال لظهور سلسلة متتابعة من المبدعين وحتى لا تنقطع حلقات الابداع عن بعضها البعض ، وهذا ما حدث للأسف، حيث بتنا نشعر بخواء المشهد الشعري والابداعي نتيجة التركيز على أعلام الأدب والابداع و تقريبا تهميش الأصوات الأخرى، الا أننا لا نجزم بصحة هذا الرأي وهو متروك للنقاد، لقول كلمة الفصل فيه .
نتاج ادبي كبير ..
د.جمال سلسع ، شاعر عروبي ، تغنى بالهم الوطني والقومي والانساني وأصدر مجموعات شعرية كثيرة وروايات ومطبوعات نقدية ، وترك بصمة وما يزال على المشهد الابداعي والشعري والروائي والنقدي الفلسطيني ، وهو مبدع غيور على ثقافة شعبنا وانتمائه الوطني وما زال يقارع بصوته الشعري والادبي عن أصالة شعبنا وحريته المقدسة التي سوف ينتزعها من أنياب الأعداء مهما بلغوا من البطش والقمع والعلو الوهمي في الأرض.
الكاتب : المتوكل طه
*
الحَربُ هي الحَربُ! وأكْرَهُ مَن سَوَّغها..
الحربُ؛ رمادٌ يحتلُّ الأنهارْ.
الحربُ نهاياتٌ لا شمسَ لها،
مخْمَصةٌ ستبيعُ الحُرّةُ فيها ثديَيْها،
والحامِلُ طِفليْها،
وتبيعُ الزرقاءُ، إذا لمحتْ أشجاراً تمشي، عينَيْها..
ستبيعُ الحربُ خواتمَ جَدَّتِها، ويدَيْهَا،
وتُعرّي فَخْذَيْها.
الحربُ مجنزرةٌ تَسْحقُ سربَ حمامٍ يهدلُ في الإنجيلِ،
وتهْرسُ هالاتِ العذراء..
الحربُ فظاعاتٌ تحتلّ الفردوسَ، ولا تخلعُ نَعلَيْها.
الحربُ معاركُ تأخذُكَ الشَفرةُ، فيها، مِن حَدَّيْها.
ويصيرُ الكونُ..بلا أقمارْ.
الحربُ بداياتُ الأشرارِ،
الحربُ نهاياتُ الأقدارِ.
الحربُ دكاكينُ الشُطّارِ،
ولعبةُ قيصرَ حين يشاءُ،
ورقعةُ كسرى في الأَمْصارِ.
الحربُ مُقامرةٌ وغباءْ.
الحربُ مدائنُ تُمحى..
وقضاةُ المحكمةِ، شُهودُ الزّورِ،
بقاعاتِ الميزانِ يصبُّون الويلَ،
لنكبرَ في قاعاتِ الصمتِ..
ولا مَن ينطقُ..
والحربُ المقلاةُ على لهبٍ، يغلي فيها الزيتُ،
فينصهرُ الناسُ، تسوحُ الأعضاءُ وتطفو..
يا ربَّ الحربِ! تعالَ اشربْ بشراً ذابوا.
يا ربَّ الخوفِ! لقد بلغَ الأطفالُ الهَرمَ..وشَابوا.
يا ربَّ الهَدْمِ! هنا كان المبنى والأهلُ..فَغابوا.
ياربَّ الجوعِ! لقد حلموا بالخبزِ، ولابوا.
ياربَّ الأمْنِ! البلدةُ كانت آمنةً تسرحُ طيّبةً
في البحرِ، وطابوا.
ما ذَنْبُ القريةِ؟ هل تحرقُها إنْ صدَّت عنها الطاعونَ،
وألقتْ بقيودِ النّخّاسين..فَخابوا؟
الحربُ حناجرُنا المشروخةُ،
لكنّ الشاشاتِ ضبابْ!
الحربُ سرابْ.
الحربُ شياطينُ الأَنواءِ.
الحربُ نزوحٌ إنْ ظلّوا أحياءً..
وهزيعٌ لا يتلوهُ نَهارْ.
الحربُ تعاويذُ الحرباء، ومَأتمُ فاطمة الزهراء.
الحربُ أكاذيبٌ كبرى، وجنائزُ تترى دون عَزاءْ.
الحربُ الخيبةُ، لا رابحَ فيها..
بل أقبحُ ما اقترفَ التُجّار.
الحربُ مُرافَعةُ الفُجّار.
الحربُ الأحلامُ المقتولةُ بالسَهمِ الوثنيِّ،
وتُظْهِرُ أسوأَ ما في الخَلْقِ،
وتَحْرقُ ألبانَ الأثداء.
الحربُ تفاصيلٌ خَرقاء.
الحربُ صليبٌ لنبيٍّ أُجْهِضَ قبلَ الوَضعِ،
عبيدٌ وإماءٌ، في سوقِ المُتعةِ واللّعْنةِ،
مطحنةٌ للرّوحِ، وشبّاكٌ مهتوكٌ للرّيحِ..
الحربُ سكاكينُ التأويلِ، وآيُ الكارهِ للأَغيار.
الحربُ بلاءُ الخاسرِ، وثراءُ الفاجرِ، وسِفاحُ القاصرِ،
ونشيدُ الثائرِ؛ مَن يدفعُ أثمانَ الصفقةِ، وهو بريءٌ!
والحربُ العَارُ الأُمَميّ،
وعَجزُ الكاهنِ والحُوذيّ،
الحربُ الوَهْمُ الكاملُ، وندوبٌ لا تبرأُ..
والحربُ، وما أدراكَ! تدابيرٌ للوَرْشةِ
وهي تهدّمُ آخرَ ما اجترحَ التاريخُ..
وما مِن شَفَةٍ ستحيطُ بأَهوالِ الصُورةِ،
فهي خرابٌ مكتملُ الأصْفار.
الحربُ دمار.
*
ومَن قالَ بأنّي اخترتُ الموتَ وفاجعةَ الأقدار؟
أتيتُ لأحيا، لا لأموت.
جئتُ لأغرسَ قلبيَ حَنُّوناً لربيعِ الساحلِ،
لا أنْ يحملَه التابوت.
ولدتُ لأبقى إنساناً حُرّاً،
لا أن أُصبحَ ملهاةً لقنابلَ، تَسَّاقطُ..
فَتَنوءُ مدارسُ وبيوت.
أتيتُ ولا أبغي أن أُصبحَ بطلاً وقتيلاً،
وجريحاً يَدْفُقُ بالياقوت.
أريدُ لأنْ أَصعدَ سُنبلةً للمَلَكوتِ،
وأكبرَ في أعشاشِ الطيرِ العائدِ في الأسحارِ،
وأشربَ عُنقودَ الناسوتِ،
وأرقصَ في أفراحِ الغارِ،
وأبكيَ في أثوابِ التوتِ،
وأنثرَ ماساً للتيّارِ،
وسِحراً في شَفةِ الماروت..
أُريدُ حياةً تشبهُ أُغنيةَ البحّارِ،
فلا أكفانَ ولا سجّانَ ولا طاغوتَ ولا رَهبوت..
ولم أذهبْ للحربِ، ولكنّ الغيلانَ أرادت روحي،
فنهضتُ لأحميَ قلبيَ والأسوار.
أنا الجذرُ الصاعدُ في نَسغِ الأوجاعِ،
وريحُ حنينِ النّايِ الخافِقِ في الأضلاعِ،
أنا عَرْشُ البحرِ، وبستانُ الميلادِ،
ومَهدُ القبْلةِ، وسلامُ النّخلةِ والنوّار..
أنا مَن يحلمُ بالوردةِ، وهي تدور على الأبوابِ،
ليبدأَ ميقاتُ الأشجار.