اقتصاد

ورقة لا تمشي!

15 مشاهدة
ورقة لا تمشي!

الكاتب : د. بسام سعيد
أكاديمي وكاتب 
الحمد لله أننا تخلصنا، ولو مؤقتًا، من التعامل بالعملة الورقية في غزة، والتي أصبحت شيئًا من الماضي إلى أجلٍ قادم. فقد أصبح التداول إلكترونيًا، من خلال التطبيق البنكي والمحفظة الإلكترونية، لدرجة أن الجميع سيصاب بالدهشة لو حاولت أن تعطي السائق عملة ورقية. سبحان الله، ما كان مستغربًا أصبح عادةً يومية.
وقد وجد السائقون حلولًا لذلك، حيث تتوقف العربة أمام محل إو محلات معتمدة شعبيًا، ويبدأ الجميع بدفع الأجرة للسائق إلكترونيًا من خلال التطبيق البنكي، إذ يضع السائق رقم حسابه أو رقم الجوال التابع لمحفظته في مكان يراه الجميع، أو يقوم التابع كما يسميه البعض بهذا الدور، لتصل النقود إلى محفظة السائق البنكية، أو حتى أحيانًا إلى محفظة زوجته!
لكن المشكلة تحدث عندما لا يحمل الراكب هاتفًا، كخالتي المتقدمة في العمر، حيث أسرت لي بأنها وقفت تنتظر عربة للذهاب إلى دير البلح، وكانت تحمل النقود، لكنها لا تملك هاتفًا ذكيًا للدفع، فرفض السائق، بكل بساطة، اصطحابها لعدم توفر الفكة، ولعدم امتلاكها هاتفًا، فاضطرت إلى السير على قدميها! بالمناسبة ماكان هذا التصرف من السائق يحدث قبل الحرب فالمبادئ والقيم سلعت !
هذا التغير التكنولوجي في بلاد تعاني الفقر والويلات ذكّرني بتجربة عشتها عندما كان الدفع نقدًا، وكانت النقود المهترئة تملأ الأسواق، بفعل عدم دخول العملة الورقية الجديدة إلى غزة منذ ما يزيد على عامين.
فعند شرائي إحدى السلع، لم ألاحظ ورقة النقد التي أعطاني إياها البائع، ثم ذهبت إلى محل آخر لأشتري سلعةً أخرى. وطبعًا، وكما أصبح عُرفًا وعادةً لدى البائعين، أخذ البائع يقلب ورقة النقد (100 شيكل، حوالي 30 دولارًا) يمينًا وشمالًا، ويدقق النظر فيها، ثم استشار زميله بشأن صلاحيتها. أحسست حينها بأنني في محضر تحقيق، وتمنيت الخلاص من الموقف، وإذا به يقول لي: «آسف، هاي ما بتمشي»، أي إنها غير صالحة للتداول.
حينها أدركت أنني سأخسر معركة الجدال، فخرجت متعجبًا، وأتساءل: من اخترع هذا الهراء؟
ولم يطل تعجبي، وإذا بشخصٍ بدا لي أنه استمع إلى الحوار الذي دار بيني وبين البائع، يقول لي:
«لا تغضب، يا إستاذ  فهناك حل لهذه المشكلة». ابتسمت وقلت: «وما هو؟»
قال: «اذهب إلى سوق الدخان، فهناك مختصون في إصلاح العملة الورقية».
وبالفعل، استمعت إلى حديثه وأخذت بنصيحته، وقلت: لنجرب ونكتشف هذه التجربة، وربما نكتب عنها بدافع فضول الكاتب.
وصلت إلى سوق الدخان، الذي يعج بالبائعين، وكلٌّ ينادي على بضاعته من السجائر. وطبعًا، معظمهم شباب صغار السن، وملامحهم قاسية، ولا مجال لمناقشتهم في ثمن السجائر التي لا مثيل لأسعارها في هذا الكوكب الكبير!
وأخيرًا وصلت إلى مبتغاي: خبير إصلاح العملة الورقية. انتظرت دوري وأنا أرمقهم بدهشة، وأقول في قرارة نفسي: الحاجة أم الاختراع، وأي اختراع هذا الذي يقودنا إلى الخلف؟ ولكن، ما علينا.
جاء دوري، فقلت: «يعطيكم العافية يا شباب»، فردوا التحية. قلت لهم: «لديّ 100 شيكل، يبدو لي أنها تحتاج إلى تغيير وإصلاح». أخذ العملة الورقية ورمقها بعين الخبير المحترف، وقال لي: «نعم». وبدأ يعمل بمهارة؛ ينظفها بممحاة، ويضع صمغًا بشكل خفي، ويستخدم قطعًا صغيرة من اللاصق، وأنا أراقب المشهد بدهشة.
التقطت لهم صورة لتوثيق المشهد، وقلت في نفسي: يا إلهي، إلى هذا الحد وصلنا في البحث عن مصدر رزق! وبعد حوالي عشر دقائق، قال لي بابتسامة خفيفة: «تفضل يا أستاذ، لقد انتهينا من إصلاحها... وصارت تمشي».
وبالفعل، تأملتها وفحصتها، فوجدتها كالجديدة، ولا وجه للمقارنة بما كانت عليه قبل الإصلاح.
واقعٌ ومسلسلٌ يومي يتكرر كل يوم مع مئات الأفراد.  هكذا تمضي أيامنا، نُصلح النقود لنستمر، بينما يبقى الواقع كله بحاجة إلى إصلاح !!!!

*أكاديمي وكاتب