آراء

المشروع الأستيطاني الإحلالي .. من القتل إلى تفكيك مقومات البقاء  

34 مشاهدة
المشروع الأستيطاني الإحلالي .. من القتل إلى تفكيك مقومات البقاء  

الكاتب : د. مروان إميل طوباسي 
في اليوم الذي حذرت فيه سلطة النقد الفلسطينية من مخاطر انهيار الاقتصاد والخدمات الأساسية نتيجة قطع العلاقات المصرفية مع البنوك الإسرائيلية، واستمرار قرصنة أموال المقاصة، وتصاعد أزمة الوقود وما قد يترتب عليها من تعثر صرف الرواتب والمستحقات ، كانت قرية تل غرب نابلس تنزف أربعة شهداء برصاص المستوطنين وجيش الاحتلال ، بعد أيام قليلة من استشهاد ثلاثة فلسطينيين في محافظة رام الله والبيرة برصاص عصابات المستعمرين . وفي الوقت نفسه ، تتواصل حرب الإبادة في قطاع غزة ، مخلفة عشرات الشهداء يومياً ، وسط سياسة ممنهجة من التدمير والتجويع والتهجير .

ان هذه الوقائع ليست أحداثاً منفصلة ، ولا يمكن فهمها باعتبارها أزمات متزامنة فحسب ، بل هي تعبير عن مرحلة جديدة بلغها المشروع الأستيطاني الإحلالي ، الذي لم يعد يقتصر على السيطرة على الأرض ، وإنما بات يستهدف الإنسان الفلسطيني ومؤسساته واقتصاده ، وكل مقومات بقائه وصموده ، بل وحياته .
لقد قام المشروع الصهيوني منذ بداياته على الاستيلاء على الأرض وإحلال المستوطنين مكان أصحابها الأصليين . غير أن ما نشهده اليوم يمثل تطوراً نوعياً في أدوات هذا المشروع ، حيث تُوظف القوة العسكرية ، وإرهاب المستوطنين ، والحصار الاقتصادي والضغط السياسي والمالي والعزل الجغرافي ، في إطار استراتيجية واحدة هدفها إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية ، وفرض واقع سياسي جديد يجعل قيام الدولة الفلسطينية أكثر صعوبة ، إن لم يكن مستحيلاً .

ففي قطاع غزة ، تتواصل حرب الإبادة والتدمير والتجويع والتهجير القسري، بما يهدف إلى جعل الحياة مستحيلة ، ودفع السكان إلى الرحيل أو إخضاعهم لشروط سياسية وأمنية جديدة تسعى إليها ما تسمى بخطة ترامب للسلام . 

وفي الضفة الغربية ، يتصاعد إرهاب المستعمرين تحت حماية جيش الأحتلال ، وتتوسع المستعمرات والبؤر الاستيطانية ، وتُصادر الأراضي ، وتُغلق الطرق ، وتُعزل القرى والمدن الفلسطينية وتستباح المخيمات ، في محاولة لفرض الضم الفعلي وخلق بيئة طاردة للفلسطينيين .
وما يزيد خطورة هذه المرحلة أن بعض الخطابات الفلسطينية تنزلق ، إلى تحميل الضحية مسؤولية ما تتعرض له من اعتداءات ، أو اعتبار تصدي أبناء شعبنا لإرهاب المستوطنين سبباً للتصعيد ، بينما الحقيقة أن أصل العنف يكمن في الأحتلال ومشروعه الاستيطاني . فالدفاع عن النفس وحماية الأرض والوجود في مواجهة اعتداءات المستوطنين حق مشروع تكفله القوانين والأعراف الدولية للشعوب الواقعة تحت الأحتلال ، أما تبرئة المعتدي أو المساواة بينه وبين الضحية فلا يؤدي إلا إلى خدمة الرواية الإسرائيلية ، وإضعاف وحدة مجتمعنا في لحظة تتطلب أعلى درجات الوضوح السياسي .

وفي الوقت ذاته ، تتخذ الحرب بعداً اقتصادياً لا يقل خطورة، فقرصنة أموال المقاصة، واستهداف القطاع المصرفي، والضغط على قطاع الوقود ، ومحاولات تعطيل قدرة المؤسسات الفلسطينية على الإيفاء بالتزاماتها من رواتب ومستحقات ، ليست مجرد أدوات ضغط مالي ، بل جزء من سياسة تهدف إلى تقويض مقومات الصمود الوطني ، وتحويل الأزمة الاقتصادية إلى وسيلة لإضعاف المجتمع الفلسطيني ومؤسساته .
إن أخطر ما في هذه المرحلة هو أن الأحتلال يسعى إلى إعادة تعريف القضية الفلسطينية نفسها ، من قضية شعب يناضل من أجل الحرية والأستقلال الوطني ، إلى قضية سكان يواجهون أزمات إنسانية واقتصادية وأمنية متلاحقة تُدار بالمساعدات والإغاثة ، بينما يتواصل على الأرض مشروع الضم والاستيطان والإحلال . ولا يكتمل هذا المسعى إلا إذا نجح أيضاً في إعادة تشكيل الوعي السياسي الفلسطيني ، بحيث يصبح الدفاع عن الأرض موضع إدانة ، ويُختزل الصراع في إدارة تداعيات الأحتلال بدلاً من إنهائه .

ومن هنا ، فإن مسؤولية الحركة الوطنية الفلسطينية وبالمقدمة منها "فتح" لم تعد تقتصر على التعامل مع نتائج العدوان أو إدارة الأزمات اليومية ، بل أصبحت مسؤولية تاريخية لحماية المشروع الوطني التحرري نفسه من محاولات تفكيكه أو إعادة تعريفه . فالمطلوب اليوم هو استعادة المبادرة الوطنية ، وإعادة بناء الوحدة على أساس برنامج سياسي جامع ، وتفعيل وتعزيز مكانة منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا، وإعادة توجيه وظيفة السلطة الوطنية لتكون أداة لتعزيز صمود شعبنا وخدمة مشروع التحرر ، لا بديلاً عنه أو مجرد إدارة لواقع يفرضه الأحتلال .
كما يتطلب ذلك بلورة استراتيجية وطنية شاملة ، توظف كل أدوات النضال السياسي والدبلوماسي والقانوني والشعبي والاقتصادي، وتربط بين حماية الأرض ، وتعزيز صمود الإنسان ، والدفاع عن المؤسسات الوطنية ، ومواجهة سياسات الأستيطان والإبادة والحصار ، باعتبارها مكونات لمشروع استعماري واحد .
إن أخطر ما يمكن أن نواجهه ليس فقط استمرار القتل ، ولا استمرار الاستيطان ، ولا تعميق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية ، بل نجاح الأحتلال في فرض أولوياته علينا ، بحيث ننشغل بإدارة الأزمات المتلاحقة ، بينما يواصل هو تغيير الواقع على الأرض بكلفة غير مرتفعة ، وتفكيك مقومات بقائنا الوطني ، وإعادة رسم مستقبل فلسطين .

ولهذا، فإن حماية المشروع الوطني التحرري لم تعد شعاراً سياسياً ، بل أصبحت استحقاقاً وطنياً عاجلاً اليوم قبل الغد . فالمعركة الدائرة اليوم ليست على الرواتب وحدها ، ولا على قرية تتعرض لهجوم المستوطنين ، ولا على قطاع يواجه الإبادة ، وإنما على مستقبل القضية الفلسطينية بأكملها . والانتصار فيها يبدأ بإعادة الاعتبار للمشروع الوطني الجامع بكل مكوناته ، وفق القانون الدولي ، وتوحيد طاقات شعبنا ، واستعادة زمام المبادرة ، واستثمار المتغيرات الدولية وحالة التضامن المتنامية معنا حول العالم ، لأن بقاء فلسطين قضية تحرر وطني هو الرد الحقيقي على المشروع الأستيطاني الإحلالي بكل أشكاله .
*عضو المجلس الاستشاري لحركة فتح