آراء

الانتخابات التشريعية : استحقاق دستوري وفرصة لإنقاذ المشروع الوطني

66 مشاهدة
الانتخابات التشريعية :  استحقاق دستوري وفرصة لإنقاذ المشروع الوطني

الكاتب : د. سليمان جرادات 

لا تعد الانتخابات التشريعية في فلسطين مجرد استحقاق دستوري يقاس بموعد إجرائه، بل هي لحظة وطنية تتطلع إليها الأجيال لاستعادة الثقة بالمؤسسات، وتجديد الشرعية، وإعادة بناء النظام السياسي على أسس المشاركة والكفاءة وسيادة القانون،  إنها رسالة أمل لشعب أنهكته سنوات الانقسام ، وأثقلته تداعيات الاحتلال وإجراءاته والأزمات الاقتصادية، لكنه ما زال يؤمن بأن الإرادة الوطنية قادرة على صناعة مستقبل أفضل.

إن تأجيل الانتخابات لأي أسباب داخلية أو خارجية لا يؤجل فقط استحقاقًا دستوريًا، بل يؤخر تجديد الحياة السياسية ويحد من قدرة المؤسسات على مواكبة تطلعات المواطنين، وفي المقابل، فإن إجراء انتخابات نزيهة وشفافة يمثل خطوة نحو استعادة الوحدة الوطنية، وفتح المجال أمام مرحلة جديدة تقوم على المسؤولية والمساءلة، بعيدًا عن الإقصاء أو الاحتكار.

ويتطلب ذلك من يرغب في ترشيح نفسه أن تتحول البرامج الانتخابية من شعارات عامة إلى تعهدات قابلة للتنفيذ، تلامس هموم الناس اليومية، وفي مقدمتها القدرة على التشريع وسن القوانين وتشخيصها وتحليلها ومعالجة الشوائب فيها ، وتوفير فرص العمل، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وتعزيز الحماية الاجتماعية، ودعم صمود المواطنين، وتمكين الشباب والمرأة، وتحقيق العدالة في توزيع الموارد البشرية والوظيفية، ومكافحة الفساد، وتطوير الإدارة العامة، وحماية الحقوق والحريات.

أن المرحلة المقبلة تستوجب الدفع بكفاءات وطنية تمتلك الرصيد العلمي والخبرة العملية والسيرة المهنية النزيهة، بعيدًا عن معايير الولاء والحسابات الضيقة ، فالمواطن الفلسطيني يستحق أن يمثله أصحاب الكفاءة والنزاهة والخبرة، القادرون على التشريع والرقابة وصنع السياسات العامة، وإدارة الموارد بكفاءة، والدفاع عن الحقوق الوطنية بعقلانية والقضايا الاستراتيجية بمسؤولية . إن تجديد النخب لا يعني إقصاء أصحاب التجربة، بل إقامة شراكة متوازنة بين الخبرة المتراكمة والطاقات الشابة، بما يضمن استدامة العمل الوطني.

ولإنجاح هذا الاستحقاق، ينبغي تشكيل لجان فرعية متخصصة تضم خبرات قانونية وإدارية وأمنية واقتصادية وأكاديمية وتقنية وإعلامية ومالية إلى جانب مختصين في إدارة الكوارث والأزمات، والأمن السيبراني، وتحليل البيانات، والرقابة والتدقيق، بما يضمن إدارة مجلس تشريعي حديث يتسم بالكفاءة والشفافية والحياد، وتكفل سلامة العملية الانتخابية وثقة المواطنين بنتائجها.

وتبقى السيناريوهات المطروحة واضحة؛ فأفضلها إجراء انتخابات توافقية وشاملة تفضي إلى مؤسسات شرعية وقادرة على الإصلاح وتعزيز الوحدة الوطنية،  أما السيناريو الآخر، المتمثل في استمرار التأجيل أو تعثر العملية الانتخابية، فإنه يكرس حالة الجمود، ويعمق فجوة الثقة، ويزيد من التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وبين هذين المسارين، يظل الخيار بيد القوى وفصائل العمل الوطني التي فقدت جزء من مكانتها وقاعدتها الشعبية  ومؤسسات المجتمع، لتغليب المصلحة العامة على الحسابات الضيقة.

إن فلسطين اليوم بحاجة إلى انتخابات تعيد الأمل قبل أن تعيد توزيع المقاعد التي بدأت تتشكل وفقا للنظام الانتخابي الجديد ، وإلى مجلس تشريعي يكون صوتا للمواطن، ورقيبا على أداء السلطة، وشريكا في رسم السياسات الوطنية ، فبناء الدولة لا يتحقق بالشعارات، وإنما بمؤسسات قوية، وقيادات نزيهة، وكفاءات متخصصة، ورقابة فعالة، وإرادة سياسية تؤمن بأن الديمقراطية ليست ترفا، بل أساس الصمود والوحدة والتنمية، وعندما يختار الفلسطيني ممثليه على أساس الكفاءة والنزاهة والبرنامج الواقعي، لا على أساس الانتماء الضيق ، فإن الانتخابات تتحول من حدث سياسي عابر إلى نقطة انطلاق نحو تجديد المشروع الوطني، وترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وصناعة مستقبل يليق بتضحيات الشعب الفلسطيني.

*رئيس الهيئة الفلسطينية لحملة الدكتوراة في الوظيفة العمومية