آراء

من البراق إلى الناقوس إلى المئذنة: حين يخشى الاحتلال صوت المكان 

57 مشاهدة
من البراق إلى الناقوس إلى المئذنة: حين يخشى الاحتلال صوت المكان 

الكاتب : أحمد دخيل


لطالما سعت السلطات لترك أثرها في الجسور والميادين، وثمة سلطات لا يمكن قراءة تاريخها  إلا في دفاتر الخوف، أما الاحتلال فيمكن معرفته من الأشياء التي يلاحقها، يلاحق شجرة لأنها تحفظ أسماء أصحابها في عروقها، او تحتفظ بالأحرف الأولى من إسمي عاشقين التقيا في ظلها يومًا، يلاحق مثلًا من الأمثال لأنه نجا من الترجمة والتهويد، وصوتًا لأنه يعبر المسافات التي تعجز الحواجز عن إغلاقها.
فالمئذنة تسكن سقف المدينة شامخة كطبقة إضافية من الزمن والموروث. حجرٌ يطل على أحجار أقدم منه، وصوتٌ يعبر فوق أصوات الذين مروا من هنا وتركوا شيئًا من حياتهم عالقًا في الأزقة والعتبات، وحين يرتفع الأذان أو يقرع الناقوس فوق مدينة فلسطينية، تهتز معه شبكة خفية من العلاقات القديمة بين السكان والمكان، تلك العلاقات التي لا تظهر في الخرائط ولا تعترف بها القرارات الرسمية.
في مكان ما من هذه الذاكرة هبّة البراق وكانت ثورته عام 1929.
قرن كامل تقريبًا يفصل المشهدين، إلّا أن المسافة بينهما أقصر مما توحي به التواريخ، شيء واحد ظل يعبر السنوات دون أن يشيخ: الرغبة في إخضاع المعنى بعد السيطرة على المكان، وفي تلك الهبّة شعر الفلسطيني بأن جرحًا تم نكأهُ داخل أكثر مناطق روحه حساسية، واليوم يعود الصدى من جهة أخرى، الأسماء تتبدل، والأوراق الرسمية تتبدل، أما الإحساس الذي يسبق الخسارة فيبقى محتفظًا بملامحه.
الحكايات الكبيرة نادرًا ما تبدأ كبيرة، تبدأ بحجر يُنقل من موضعه، بلافتة جديدة ولغة غريبة، بشجرة تُقتلع من طرف المشهد، وبعد سنوات يلتفت الناس إلى الوراء فيكتشفون أن تلك التفاصيل الصغيرة كانت تتحرك في اتجاه واحد منذ البداية.
لهذا يحمل الأذان وقرع الناقوس في فلسطين معنى يتجاوز وقته اليومي، أحيانًا يبدو كأن المدن القديمة تنادي على نفسها كي لا تنسى أسماءها. وأحيانًا أخرى يشبه رسالة قصيرة ترسلها القرى الغائبة إلى أبنائها الحاضرين، رسالة لا تحتاج إلى ساعي بريد ولا إلى عنوان.
ضرب من المستحيل اعتقاد أنّ قانون يسنّه محتل يقوى على الوقوف بوجه ذاكرة بهذا الامتلاء، لأن الزمن كفيل بالتنقيب الدائم في هذه الذاكرة. 
يمكن للمحتل" المشرّع"  أن يضيف ورقة جديدة إلى الأرشيف، وهو قادر على نفخ دفتر المنع، وقد يطيل قائمة المحظورات، بيد أن كل ذلك يتوقف عند حدود معينة، عند النقطة التي يتحول فيها الصوت إلى جزء من شعور الناس بأنفسهم.
لهذا، عندما تضيق المآذن والكنائس، ستتسع الأسطح، وعندما يُحاصر مكبر الصوت والرنين، ستخرج الحناجر من صمتها، فبعض الأشياء لا يحرسها قانون القوة، وإنما يحرسها التكرار الطويل في حياة البشر، اسم قرية يتناقله الأحفاد أو مفتاح بيت ينجو من المنافي، شجرة زيتون تكبر مع أصحابها وبينهم، وأذان وناقوس يعرفان طريقهما إلى السماء منذ آلاف السنين . 
في فلسطين يلتقي البراق بالصليب والمئذنة في السؤال الذي ظل يتكرر بأشكال مختلفة طوال قرن: كم من القوة يحتاج الاحتلال كي يقنع المكان بأن أهله غرباء؟
والتاريخ الفلسطيني، منذ بداياته الحديثة حتى هذه اللحظة، ليس سوى الجواب المتواصل عن استحالة ذلك.

حالة الطقس

????️ حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية