الكاتب: سمير حليلة
في اكتوبر/تشرين اول ١٩٩٦ وقع الرئيس كلينتون اتفاقية تمنح المنتجات الامريكية والفلسطينية وضع التجارة الحرة في التجارة البينية بينهما ، وتعتبر هذه الاتفاقية امتدادا للاتفاقية الامريكية الاسرائيلية الموقعه في العام ١٩٨٥ . ولم يكن وضع هذه الاتفاقية شبيها بالاتفاقية الموقعه لاحقا مع الاتحاد الاوروبي حيث هي اتفاقية شراكة أصيلة ومباشرة وشاملة ، الا انها كانت تغطي على الاقل تجارة السلع بين البلدين .
الا ان الوضع الخاص للعلاقة الاقتصادية الفلسطينية الاسرائيلية ، سمح بل وشجع مئات السلع الفلسطينية على التصدير للسوق الامريكي من خلال شركات او وسطاء اسرائيليين تحت غطاء اتفاقية التجارة الحرة الاسرائيلية الامريكية . وهذا كان مصير ٨٥٪ من الصادرات الفلسطينية التي مرت عبر اسرائيل وتم تصديرها مباشرة او تم اجراء تعديلات بسيطة عليها لتأخذ اسم منتج اسرائيلي ، كما حدث في الملابس والمنسوجات والأثاث والأحذية والورقيات وغيرها.
اما الصادرات المباشرة فلم تتعدى في العام الماضي ٦،٥ مليون دولار بتراجع متواصل في الخمس سنوات الاخيره من ٧،٣ مليون دولار في العام ٢٠١٨. وتشمل زيت الزيتون وخضار مجففة وطازجة ومتنوعه.
المعنى ، ان أثر القرارات الاخيرة للرئيس الامريكي حول التعرفه الجمركية وفرض نسبة ١٧٪ على المنتجات الاسرائيلية المصدرة للولايات المتحدة وما يعكسه ذلك على منتجاتنا ، لن يكون له أثر مباشر كبير ، خاصة ان الصادرات المنافسة لنا ( الاوروبية على سبيل المثال)، عليها نسب جمركية أعلى.
الا ان هذا المختصر غير كاف وقد يكون وراءه حقائق صعبة عندما نفحص التفاصيل . ان حقيقة ربط اغلب الصادرات الفلسطينية بالسوق الاسرائيلي ومن خلاله تجعلنا نبحث بشكل جدي على التأثيرات المتوقعه للقرارات الاخيرة.
فاسرائيل كانت اول الدول التي وقعت اتفاقيات تجارة حرة مع الولايات المتحده عام ١٩٨٥. والاستثناء الوحيد كان في فرض جمارك على بعض المنتجات الزراعية المحدودة. وقد استبقت اسرائيل قرار الرئيس الامريكي ترمب الاخير بخطوتين ؛ حيث ألغت كل الاستثناءات الزراعية المتبقية ، وقبلت كليا بالمواصفات الامريكية على كل السلع ، في محاولة منها لتجنب الاضرار المتوقعه . ففي الوقت الذي تبيع فيه الولايات المتحده الى اسرائيل ٣٧ مليار دولار من السلع والخدمات الا ان اسرائيل تبيع حوالي ٢٢ مليار دولار . ولغرض الدقة فان القرار الامريكي الجديد يتعلق بالسلع وليس بالخدمات ، وفي حالة السلع الاسرائيلية المصدرة لامريكا فقد وصلت الى ١٧،٣ مليار دولار في العام الماضي. ومعظم القطاعات المتأثرة هي في مجال الادوية والأجهزة والمعدات والالماس وغيرها . والجدير بالذكر ان حصة الصادرات من الناتج المحلي الاجمالي لاسرائيل وصلت ٤٠٪ العام الماضي ، وهي نسبة مرتفعه جدا حتى في قياس نسب التصدير في دول ال OECD ، بينما النسبة في فلسطين لم تتجاوز ال ٧٪ في اي وقت من الاوقات.
كلمة اخيرة .. وبغض النظر عن دوافع قرارات ترامب حول التعرفه الجمركية ودفاعه عن مستقبل الصناعة الامريكية ! فان طبيعة القرارات والطريقة التي اتخذت فيها وسرعة تطبيقها تعكس تخبطا كبيرا سيترك أثره الواسع على مكانة الولايات المتحدة في الاسواق العالمية . وللتذكير فان الغاء اتفاقيات التجارة الحرة من طرف واحد وبهذه السرعة يناقض السياسات الدولية التي ثبتتها ال WTO وعلى رأسها الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية ، فالاتفاقيات تشمل قضايا انتقال العمالة والهجرة والاستثمار المشترك والبحث والتكنولوجيا وغيرها من المجالات . ان اقتصار القرارات على فرض تعرفه مالية على السلع دون الأخذ بالاعتبار عناصر التعاون الثنائي الاخرى يدل على نظرة محدودة وعاجزه عن بناء تحالفات دولية . ومع ثقتي بأن اسرائيل ستبادر سريعا الى طلب بدء المفاوضات مع الطرف الامريكي حول موضوع التعرفه وغيرها ، ومع ثقتي ايضا ان اسرائيل لن ترفع الجمارك على السلع الامريكية كما فعلت دول اخرى ، يجب ان ندرك ان اسرائيل لها استثمارات بقيمة ٢٤ مليار دولار في الولايات المتحدة ، وهي ثاني اكبر دولة لها شركات مدرجة في بورصة ناصداك بعد الصين ، وهناك استثمارات امريكية في مجال التكنولوجيا في اسرائيل في ٣٠٠ شركة كبرى على الاقل . .
وما يخفف من أثر هذه القرارات على اسرائيل وعلينا هو ان النسبة المقررة ١٧٪ هي اقل من شركاء اخرين كاوروبا ٢٠٪ ، ففي الوقت الذي لن نستطيع ان ننافس المنتجات الامريكية في اسواقها ، الا انه يبقى هناك مجال لمنافسة منتجات دول اخرى تفرض عليها نسب جمركية اعلى.
اقتصاد



