الكاتب: سمير الجندي
ليس الأمر مجرد حضور في معرض للكتب،
ولا هو مجرد جناح ترص فيه العناوين على رفوف صامتة…
بل هو موعد سنوي مع روح عربية حية،
ومصافحة بين القدس وتونس عبر الورق والحبر.
إن دار الجندي للنشر المقدسية تأتي إلى معرض تونس الدولي للكتاب
كما يأتي المسافر إلى بيت يعرف أن أبوابه مفتوحة،
وأن في صدور أهله متسعا للمحبة.
تأتي لأن هذا الشعب الجميل
لا يستقبل الكتاب كسلعة عابرة،
بل كضيف كريم يجلس في صدر المجلس.
في تونس…
ترى الثقافة تمشي على قدمين في أروقة المعرض،
وترى القارئ يفتش عن كتابه كما يفتش العاشق عن رسالة قديمة.
فالزائر هنا يعرف ماذا يريد؛
لا تضلله الأضواء الزائفة،
ولا تغويه الدعايات المبتذلة،
بل يمسك الكتاب بيده
كما يمسك الفلاح حبة القمح
ويعرف إن كانت ستنبت في أرض قلبه أم لا.
وقد قال المتنبي يوما:
وخير جليس في الزمان كتاب
وكأن زوار هذا المعرض
يحملون هذا البيت في ضمائرهم
وهم يجولون بين الأجنحة.
ثمة أمر آخر…
ذلك الكرم التونسي الفطري
الذي يجعل العارض والزائر كأنهما صديقان قديمان،
وذلك الفهم العميق من إدارة المعرض لاحتياجات الناشرين،
حتى يغدو المكان أشبه ببيت واسع للثقافة.
تنظيم دقيق،
مرافق نظيفة،
ابتسامات صادقة
تستقبل الكتاب كما تستقبل الضيف.
لكن أجمل ما في الحكاية…
أطفال تونس.
يأتون إلى المعرض زمرا زمرا
بعيون تشبه صباحات الربيع،
وحين تقع أبصارهم على علم فلسطين
فوق جناح دار الجندي
تعلو أصواتهم بالأناشيد.
في تلك اللحظة
يتحول الجناح الصغير
إلى نافذة على القدس.
فنستعيد قول محمود درويش:
على هذه الأرض ما يستحق الحياة.
ونقول في سرّنا:
على هذه الأرض ما يستحق أن نكتب له…
وأن نطبع الكتب من أجله.
لهذا تحرص دار الجندي المقدسية
أن تكون هنا كل عام؛
لأن معرض تونس الدولي للكتاب
ليس مجرد سوق للكتب…
بل موسم محبة بين شعبين،
وجسر من الحبر يصل تونس بـ القدس،
حيث تصافح الكلمة الكلمة،
ويتعانق العلم مع العلم.
طوبى لتونس…
وطوبى لزوار هذا المعرض الأوفياء للمعرفة.
وطوبى لأولئك الأطفال
الذين يدخلون المعرض
وفي قلوبهم كتاب لم يكتب بعد…
اسمه فلسطين.



