الكاتب : هيثم جابر
في مختلف العصور والأزمنة، سعت السلطة السياسية، ولا سيما في المجتمع العربي، إلى ترسيخ شرعيتها وتوطيد نفوذها بوسائل متعددة؛ فمرة تستند إلى الدين، كما فعل خلفاء بني أمية وبني العباس، ومرة إلى الأعراف والبنى القبلية السائدة. وحتى القبيلة في الجاهلية كانت تبحث عن شرعية تضمن استمرار سلطتها وهيمنتها، إذ كان النظام القبلي هو الإطار الحاكم للمجتمع، وكان كل من يخرج عن سلطته يُعد متمردًا وصعلوكًا ومنبوذًا.
لذلك لجأ كثير ممن تمردوا على سلطة القبيلة إلى البراري، واتخذوا من السلب والنهب وسيلة للعيش وشكلًا من أشكال التمرد على القيم القبلية السائدة. ومن هنا ظهر شعراء الصعاليك، وكان من أبرزهم عروة بن الورد الذي عُرف بدفاعه عن الفقراء والمساكين، حتى إنه كان يقتسم معهم ما يحصل عليه من غنائم. وقد مثّلت هذه الظاهرة أول أشكال التمرد على سلطة القبيلة وقيمها، وهي تشبه إلى حد ما مواقف عدد من الشعراء في عصرنا الذين انحازوا إلى قضايا الناس، وناهضوا السلطة السياسية الظالمة، وقاوموا الاستعمار والاحتلال.
وقد عاش هؤلاء الشعراء في حالة من التناقض والتضاد مع السلطة السياسية، وهو ما كلفهم البقاء في الظل بعيدًا عن أضواء الشهرة، فلم يعرفهم إلا القليل من محبيهم ومريديهم الذين تناقلوا أشعارهم وساهموا في نشرها.
قديمًا، كما كان الحال مع شعراء الصعاليك، انتقلت أفكارهم وأشعارهم عبر الرواية الشفوية والتواتر من شخص إلى آخر، وحملها أولئك الذين شاركوهم رفض سلطة الحكم في زمانهم. أما في العصر الحديث، فقد تولت دور النشر، التي غالبًا ما تتبنى أفكارهم، مهمة نشر أعمالهم، وغالبًا ما كانت تعمل من خارج البلاد أو من المنفى، في ظل ملاحقة السلطات السياسية لأفكارهم، ومصادرة كتبهم، بل ومحاكمة من يُضبط بحوزته دواوين بعض الشعراء المغضوب عليهم.
غير أن هذا الحصار بدأ يتصدع مع الثورة الإعلامية وتطور وسائل الاتصال الجماهيري ومنصات التواصل الاجتماعي، فأصبح من شبه المستحيل على أي سلطة سياسية أن تحاصر فكرة أو تمنع انتشارها. وبات كل فرد قادرًا على أن يكون ناشرًا وصحفيًا وكاتبًا، ينشر ما يشاء دون المرور بمقص الرقيب.
لذلك أصبحت قصائد أحمد مطر متاحة في كل مكان، ودواوين مظفر النواب حاضرة في بيوت محبيه ومتابعيه، وغيرهما كثير من الشعراء الذين تجاوزت كلماتهم الحدود والجدران.
وفي المقابل، كان هناك دائمًا من اختار طريقًا آخر، وهو التقرب من السلطة السياسية، سواء في حاضرنا أو في العصور السابقة، وخصوصًا في العصر العباسي. فقد كان الشعر بالنسبة إلى كثيرين مصدر رزق ووسيلة للعيش، فنظموا قصائد المدح، وتلقوا الهدايا والعطايا من الخلفاء والأمراء مقابل الإشادة بهم وتمجيدهم.
ولولا قرب هؤلاء من دوائر الحكم، لما وصل إلينا كثير من شعرهم، ولما عرفنا شعر المتنبي وأبي تمام والبحتري وغيرهم من كبار شعراء البلاط. واليوم لا يكاد يوجد دارس للأدب العربي أو اللغة العربية لم يسمع بهؤلاء الشعراء الذين ارتبطت شهرتهم، بدرجات متفاوتة، بمؤسسات الحكم والرعاية الرسمية.
في المقابل، لا يعرف الشعراء الذين بقوا في الظل إلا القليل من المهتمين والباحثين. فـعروة بن الورد وتأبط شرًا والشنفرى والسليك بن السلكة وعمرو بن براق وغيرهم، لم ينالوا القدر نفسه من الشهرة التي نالها شعراء البلاط والخلفاء والأمراء. والسبب واضح؛ فالتاريخ والأدب كثيرًا ما تكتبهما وترعاهما السلطة السياسية، ومن الطبيعي ألا تحتفي السلطة بمعارضيها أو تنشر ما كُتب في هجائها.
واليوم أيضًا، لا يخلو الوطن العربي من شعراء ارتبطوا بالسلطة السياسية بدرجات مختلفة. فمنهم من أصبح جزءًا منها، فتُفتح له المنابر الإعلامية والقنوات الفضائية ليمدح الحاكم ويشيد بإنجازاته، ومنهم من لا ينتمي رسميًا إلى السلطة، لكنه يرتبط بعلاقات صداقة أو مصالح مع بعض رموزها، فيمارس رقابة ذاتية على نصوصه، ويتجنب العبارات والمواقف التي قد تُحرج تلك العلاقة أو تهدد استمرارها.
وقد قرأت ذات مرة ما كتبه صديقي الأديب والناقد فراس الحاج محمد حول أن الشاعر الراحل محمود درويش غيّر نصًا أو عبارة شعرية كان قد كتبها قبل أن تربطه علاقة صداقة بالرئيس الراحل ياسر عرفات (أبو عمار)، واستبدلها بعبارة أخرى بعد نشوء تلك العلاقة الشخصية بينهما. كما كان محمود درويش حاضرًا في كثير من المؤتمرات والمهرجانات التي كانت تنظمها وتقدمها منظمة التحرير الفلسطينية.
أنا هنا لا أدعو إلى مواجهة مفتوحة مع السلطة السياسية، ولا إلى حالة صراع دائم معها، لكنني أرى أن الشاعر لا ينبغي أن يسمح لعلاقاته الشخصية أو الرسمية بأن تؤثر في محتوى قصيدته أو موقفه الفكري. فالشاعر مؤتمن على الكلمة، وعليه أن يبقى أمينًا لقضايا شعبه وأمته، وألا يجعل مبادئه عرضة للمساومة أو المقايضة.
إن الشاعر، في جوهر رسالته، صوت الفقراء والمسحوقين والمضطهدين. وإذا ما ربطته علاقة ما بالسلطة السياسية أو بأحد رموزها، فعليه أن يبقى إنسانًا حرًا قبل أي شيء آخر، لا تتغير مواقفه بتغير المناصب، ولا تتبدل مبادئه بتبدل المصالح. فالكلمة الصادقة لا تعرف المجاملة، والشاعر الحقيقي لا يساوم على ضميره؛ فإن أحسن أصحاب السلطة أحسنّا إليهم بالإنصاف، وإن أساؤوا قومناهم بالنقد والمسؤولية.



