الكاتب : د.بشير عصمت
اقتباس للراحل الكبير : “المشاركة الديمقراطية هي أساس كل حركة ثورية، وقيادة الفرد تبقى ناقصة دون تعبيرها عن إرادة الجماعة.” “نريد أن يكون هذا الساحل العربي منبعًا لحركة وطنية واعية وأكثر سلامة تحتل مكانة ريادية بين الحركات الوطنية في الأقطار العربية الشقيقة” .
في ساحة صغيرة، يقف تمثال بلا صوت.
وجهٌ يحدّق إلى الأمام، كأن لا شيء خلفه يستحق الالتفات.
لكنّ فرج الله الحلو لم يكن تمثالًا.
ذكرى اغتياله ليست طقسًا مكرّرًا للحديث عن البطولة والمأساة، بل لحظة صادقة لمراجعةٍ متأخرة، لنطرح السؤال الأهم: لماذا لا يزال فرج الله حيًّا؟
في الخامس والعشرين من حزيران، لا نحيي شهيدًا، بل نواجه مرآتنا.
في مثل هذا اليوم من عام 1959، اقتيد فرج الله الحلو من بيتٍ لم يكن بيته، إلى زنزانة لم تكن زنزانته وحده، بل زنزانة لوطن كامل كان يُجرَّد من حريته.
لم يُمنح حق المحاكمة، ولا اعترافًا بحق الاختلاف، ولا حتى مكانًا يُزار فيه جسده.
لكنه بقي. لأنه لم يكن جسدًا، بل فكرة.
ولأن الذين أرادوا له الغياب، ما زالوا يغيبون في كل محفلٍ للحرية.
لم يمت فرج الله
والقتلة طواهم النسيان، وهو، صار مقياسًا.
لم يمت فرج الله
ليس لأننا قرأناه جيدًا، بل رغم أننا فشلنا في قراءته.
لم يمت فرج الله
لأننا غالبًا نُخلّد صورته، ولا نُجيد الاقتداء بوضوحه.
نردّد أنه صمد في زنزانته، وننسى أنه كان جريئًا حيث تُغتال الجرأة: في الحزب، وفي الكلمة، وفي الرأي المختلف.
لم يتم إعدامه لأنه خان، لقد قتل لأنه لم يخن، لأنه بقي منفتحًا على الآخر، مؤمنًا بأن الحوار لا يُقصي، بل يُبني.
لقد اغتيل فرج الله لا على يد عدوّ واضح، بل بأيدي أنظمة سمت نفسها تقدمية، وخنقت أنبل من فيها.
كان القاتل أحيانًا خصمًا معلنًا… وأحيانًا شريكًا في الخطاب، رفيقًا في الشعار، لكنه خصمٌ للحريّة.
وما جرى لم يكن مفاجئًا له.
لقد كان يعلم أنّ النظام الذي لا يحتمل رأيًا مختلفًا، سيتخلص من صاحبه.
لكنه بقي على الموقف، لا هروب ولا مراوغة.
والمأساة الكبرى ليست أن نفتقد فرج الله، بل أن لا نُترجم دمه سياسة.
أن نُحيله إلى أسطورة نعلّقها، لا مشروعًا نُحييه.
أن نتلو مرثيته، دون أن نُعيد بناء حزب بمقاييس “أبو فياض”.
فرج الله لم يكن فقط ضميرًا، بل كان مدرسة سياسية كاملة، لم تُدرَّس بعد كما يجب.
مدرسة في الوضوح، في الانفتاح، في الشجاعة، في الثبات دون تعصّب، وفي الفكر دون تبعية.
تمثاله لا يحتاج ورودًا، بل انفتاحًا على المختلف، وصدقًا في الالتزام بقضية الشعب والوطن.
لا نريده تمثالًا، بل ميزانًا:
هل نملك الشجاعة لممارسة أفكاره؟
هل نجرؤ على نقد أنفسنا كما كان يفعل؟
هل نمتلك وضوحه، حين قال:
“على مواطنينا أن يتذكروا أن الغاية ليست الحزب، بل الوطن الحر، والشعب السعيد.”
أيّ حزب لا يراجع نفسه، لا يستحق فرج.
أيّ رفيق لا ينحاز إلى الناس، لم يقرأ فرج.
أيّ خطاب لا يضع الحرية فوق التنظيم، يفقد البوصلة.
فرج الله لم يكن نبيًا، بل بشرًا أحب الناس، وصدّقهم، ودفع ثمن ذلك.
حاجة البلاد إلى من يشبهه اليوم ليست نوستالجيا، بل ضرورة وطنية.
في زمن المذهبية، والفساد، والانهيار، نحن بحاجة إلى من يعيد السياسة إلى معناها الأول:
خدمة الإنسان، لا خيانته.
تحية لفكر فرج ولكل من يعرف أن الذكرى ليست طقسًا سنويًا، بل وصية مفتوحة للغد
* فرج الله الحلو (1906-1959)، قائد شيوعي عربي بارز قتل على يدي جلاديه وذوبوا جسده بالاسيد. لبناني الجنسية كان قائد بارز في الحزب الشيوعي اللبناني السوري، وما زال رمز للشيوعيين السوريين، واللبنانيين حتى بعد انفصال الحزب الشيوعي اللبناني عن الحزب الشيوعي السوري.



