الكاتب : أحمد دخيل
يا نقر القلب،
ويا بقايا ملاك يمشي حافيًا في نشاز المجاز ...
ها نحن نلثم الحروف التي قدمت من هناك كطيفِ وليٍّ، ترفع في لهبها فلسطين، لا كألمٍ يمر مرور الكرام، بل كصدىً آخر لهذا الكون المُرهق بالصمت.
في هذا العهد الذي تَشققت فيه الخرائط، وانحسرت فيه مدارك اللغة إلّا على أفواه المحاصرين، يتجلّى القول بوصفه الدرب الوحيد الذي لا تطأه جنازير الدبابات.
تعود الجملة إلى ميلادها الأوّل، إلى نَفَسِ الخالق حين قال: كن فكان
وهنا، من حيث لا ننتظر إلّا السكوت، يأتي الشعرُ من جزرٍ بعيدةٍ، جالباً في جعبته طعم خروبنا، وجوع ابنائنا، ويدقُ على صفيح المخيّمِ كما يدقُ وليٌّ على قلب فتاةٍ حالمة، ليقول:
"لستِ وحدكِ يا فلسطين."
في بحر هذه الترنيمة الحديثة، تنهض حركة الشعر العالمي، لا لتكون حراكاً نخبويًا، ولا احتفاليةً مكررةً من تهليلٍ خاوٍ، بل كقلبٍ حيٍّ، يتنفس من رئة الوعي، ويصرخ بملء الفم: "فلسطين ليست قصةً، بل هي الستر الذي كشف عورة العالم."
حين يصرخُ الشاعر الدولي ريندون عن بلادي، لا يقوم بذلك كمتضامنٍ عابر، بل يستلُّ وتينه كمن يتلو بيان ولاءٍ جديدٍ لجنينٍ يولدُ من الجمر والورد، من ملائكةٍ جدد، من القدس والندى.
يتحرّر الشعر من أشكاله، من جنسيّاته، من ألوانه، ليصير كنعانيًا بالفهم العالمي، بالفهم الذي يجعل النفّار أخًا لـ نيرودا، و هبة ابو ندى شقيقةً لـ أدريان ريتش.
وتصبح الخيمة هي النص.
ويصير الولد الذي ينقش اسمه على سقفٍ مهدم، هو أديب الزمن.
هناك كان مراد سوداني، الذي يدرك كيف تحكي اللغة بجوع الأولياء، لا يبقى مشاهداً، بل يغدو، يرتق الغيم بقصيدة تحمله لكل العواصم، ويقول لحفنة الطين:
"لا تَنشقي إلا على صرخةِ شاعرٍ يحملُ حجرًا، لا وردًا."
هو الذي بذر في حركة الشعر العالمي حبةً تُنبتُ الآن في كلّ فم.
وحين يردد مراد إن الشعراء هم ملائكة الغضب، فإنّه لا يهذي، بل يوحي إلى كلّ من جاهر بفلسطين كما تُنطق التلاوة عند تنفس الصبح.
إلى ريندون، وإلى كلّ شاعرٍ أفلتَ حِبرَه كمن يستل حسامًا،
إلى كلّ من خطّ "غزّة" ولم يرتعش،
إلى من عرف أن النص ليس تجميلاً، بل تعليل،
إلى كلّ من رفعَ فلسطين في خباء الصدر كما تُرفعُ الاقاويل المقدسة،
نشكركم باسم التراب الذي ينام على أنين الجوعى.
نشكركم باسم الخيام التي يشتهي سيلا من الدعوات.
نشكركم لأنكم الأوفياء في المعنى.
فلسطين لم تكن يوماً ألماً نتألمه، بل ضياءً نرمي به عيون الكون المظلمة كي تبصر.
والفارس، في عصر الدمار، هو وليُّ العشقٌ الوحيد.
وأنتم، حين ذكرتم فلسطين، قلتم ما لم يقله المُحب لحبيبته،
فكونوا لنا ترتيلةً،
نكون لكم وطناً لا يذبل.
* شاعر وصحفي فلسطيني لاجىء في سوريا / أمين سر منتدى محمود درويش الثقافي في مخيم جرمانا بدمشق



