الكاتب : محمد زهدي شاهين
ثمة وهم شائع يُسوَّق له أحيانًا، مفاده أن الفكر وحده كافٍ لإحداث التغيير، وأن الكلمة إذا بلغت عمقها الصحيح فإنها ستشق طريقها بنفسها إلى الواقع. وهذا صحيح جزئيًا، لكنه يغفل عن حقيقة أكثر صلابة؛ مفادها بأن الأفكار، مهما بلغت من النقاء والقوة، تظل رهينة من يحملها إلى حيز التنفيذ، ومن يملك الأدوات التي تُحوّلها من مجرد قناعة إلى قرار، ومن رؤية إلى سياسة.
إن التغيير من خارج دائرة السلطة يشبه إلى حد بعيد إلقاء حجر في بحيرة واسعة؛ قد تتسع دوائره، وقد تصل إلى الضفاف، لكنك لا تتحكم باتجاهها ولا بسرعة انتشارها، بل ولا حتى بمدى تأثيرها النهائي. أما حين تكون داخل دائرة السلطة، فإنك لا تكتفي بإلقاء الحجر، بل تتحكم في شكل البحيرة نفسها، وفي عمقها، وفي المسارات التي تسلكها المياه.
ولعل كتاب "الأمير" على الرغم من تحفظنا على الكثير مما جاء فيه، إلا أنه يقدم لنا واحدة من أكثر الصور وضوحًا في هذا السياق. فـنيكولو مكيافيلي لم يكن معنياً بالأخلاق المجردة بقدر ما كان مشغولًا بسؤال: كيف تُمارَس السلطة؟ وكيف تُحفظ؟ وكيف تُستخدم لإعادة تشكيل الواقع؟
في هذا العمل، يبرز بوضوح أن الحاكم الذي يمتلك الإرادة دون أدوات السلطة، كمن يرى الطريق ولا يستطيع السير فيه، بينما من يمتلك السلطة يستطيع – إن امتلك الرؤية – أن يفرض مسارًا جديدًا بالكامل.
يقول مكيافيلي، في جوهر طرحه، إن النوايا الحسنة وحدها لا تصنع دولة، بل القدرة على الفعل. وهذه الفكرة تتجسد تاريخيًا في تجارب عديدة. نأخذ مثلًا أوتو فون بسمارك، الذي لم يكتفِ بالتنظير لوحدة ألمانيا، بل استخدم أدوات الدولة – من دبلوماسية وحروب محسوبة – ليصنع واقعًا جديدًا على الأرض. لقد كانت الفكرة موجودة قبله، لكن السلطة وحدها هي التي جعلتها تتحقق.
وكذلك نيلسون مانديلا، الذي بدأ مشروعه من خارج السلطة، حاملاً فكرة العدالة والمساواة، لكن التحول الحقيقي لم يحدث إلا عندما انتقل إلى داخل منظومة الحكم. هناك فقط استطاع أن يُحوّل القيم إلى قوانين، والرؤية إلى مؤسسات، وأن يعيد تشكيل بنية الدولة نفسها، لا مجرد التأثير في وعي الناس.
إن الفارق بين الموقعين – خارج السلطة وداخلها – ليس فارقًا في القيمة الأخلاقية، بل في القدرة التنفيذية. فالمفكر قد يُلهم، وقد يُوجّه، وقد يُمهّد الطريق، لكنه يظل معرضًا لأن تُحرّف أفكاره أو تُنتقى منها أجزاء تخدم أجندات أخرى. أما صاحب السلطة، فإنه – إن امتلك الوعي – يكون أكثر قدرة على ضبط المسار، وتحديد الأولويات، وفرض الإيقاع، نعم فرض الإيقاع.
غير أن هذا لا يعني التقليل من دور الفكر، بل على العكس، فالفكر هو الشرط الأول لأي تغيير حقيقي. لكن الإشكالية تكمن حين يُفصل الفكر عن السلطة، أو حين يُترك المجال لغير المؤهلين لملء الفراغ. فالتاريخ لا ينتظر، والفراغ لا يبقى فراغًا؛ إما أن تملأه برؤية واعية مدعومة بقدرة تنفيذية، أو يُملأ برؤية مضادة قد تقود إلى نتائج معاكسة تمامًا.
وعليه، فإن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على أحد المسارين دون الآخر، بل على الجمع بينهما؛ فالفكرٌ يصوغ الاتجاه، والسلطةٌ تملك القدرة على ترجمته. لأن الفكرة بلا سلطة قد تبقى حلمًا، والسلطة بلا فكرة قد تتحول إلى عبء، أما اجتماعهما فهو ما يصنع التحولات الكبرى، ويصبح حينذاك للصوت ذراع، وباجتماعهما كذلك يتم اجتياز إشكالية الفكر خارج دوائر الفعل وصنع القرار.
* مدرسة الواقعية الوطنية وإدارة الاختلاف



