الكاتب : د. مجدي جميل شقورة
تشير القراءات العميقة للمشهد الاسرائيلي في عام 2026 الى اننا بصدد زلزال سياسي يتجاوز فكرة تبديل الوجوه ليدخل في صلب اعادة تعريف الصهيونية السياسية في القرن الحادي والعشرين. التحالف الجاري طبخة بين بينيت ولابيد وآيزنكوت ليس مجرد ائتلاف انتخابي بل هو محاولة لانشاء كتلة تاريخية تنهي حقبة الانقسام العمودي وتستبدل اليمين الايديولوجي المتطرف بمركز قومي برغماتي.
التوجه القادم يعتمد على دمج الامن الذي يمثله آيزنكوت مع الاقتصاد التكنولوجي الذي يمثله لابيد واليمين الدولتي الذي يقوده بينيت. الهدف الاستراتيجي هنا هو تشكيل كتلة الـ 40 مقعدا لتصبح الحزب الحاكم الذي لا يمكن تجاوزه مما يجبر الليكود في مرحلة ما بعد نتنياهو على السير خلفه. هذا المسار يعني عزل اليمين الخلاصي المتمثل في سموتريتش وبن غفير واعادة تعريف اليمين كقوة تهتم بمؤسسات الدولة لا بايديولوجيا الاستيطان التي باتت تشكل عبئا دوليا.
لن تبنى الحملات الانتخابية القادمة على وعود الرفاهية بل ستتحول الى محاكمة وطنية حول ارث السابع من اكتوبر. ستكون نتائج لجان التحقيق الرسمية هي الوقود الذي سيحرق مستقبل القيادات الحالية وسيكون نتنياهو في مواجهة مباشرة مع سردية الفشل الاستراتيجي. لقد تغيرت هوية الناخب الاسرائيلي وباتت كتلة ضخمة من اليمين الليبرالي تعتقد ان امن اسرائيل القومي يتطلب قيادة تنسجم مع الحليف الامريكي وهو ما لا يستطيع نتنياهو توفيره.
وبغض النظر عن هوية الفائز فان هناك قنابل موقوتة ستهز الاستقرار الداخلي ابرزها قانون تجنيد الحريديم الذي يمثل الصاعقة التي قد تفكك تحالفات نتنياهو التاريخية. الاصرار الشعبي والعسكري على المساواة في الاعباء سيجعل من المستحيل على اي حكومة الاستمرار في منح الاعفاءات مما قد يؤدي لقطيعة تاريخية بين الصهيونية واليهودية الارثوذكسية. كما ان تكاليف الحرب الباهظة ستفرض سياسات تقشفية قاسية ستزيد من نقمة الطبقات الوسطى وهي القوة الضاربة في تحالف بينيت ولابيد.
نتنياهو كظاهرة قد لا يرحل بسهولة بل قد يتحول من ملك اسرائيل الى زعيم معارضة شرس يعمل على زعزعة استقرار اي تحالف قادم من خلال استثارة القواعد الشعبية وتصوير الحكومة الجديدة كدمية في يد الخارج. الخوف الاكبر داخل اسرائيل هو تحول الصراع السياسي الى صراع شارع ضد شارع خاصة مع تنامي شعور اليمين التقليدي بالتهميش.
ان اسرائيل مقبلة على ما يمكن تسميته بالجمهورية الثانية حيث يسعى التحالف الجديد لتقديم صفقة جديدة للمجتمع الاسرائيلي تشمل امنا صارما واقتصادا ليبراليا وعلاقات دولية مستقرة مقابل التخلي عن احلام الضم الكامل والصدام مع الغرب. السؤال الجوهري الذي سيحدد المسار هو مدى قدرة بينيت على اقناع جمهور اليمين بان التخلي عن نتنياهو ليس خيانة للمبادئ بل هو انقاذ لكيان الدولة. هذه الاجابة هي التي ستحدد شكل المنطقة في الاعوام القادمة.



