الكاتب : يونس العموري
مما لا شك فيه ان الواقع الفلسطيني الراهن، في ظل الحرب المستمرة على غزة وما رافقها من دمار واسع وعدوان غير مسبوق، يفرض المطالبة علنا وبالصوت المرتفع بوقف المذبحة التي ترتكب بحق الشعب كله، وبحق تراثه الكفاحي النضالي الذي بات في مهب الريح. بل ان هذا التراث وما بني عليه وما تحقق من انجازات، اصبح محل خلاف واختلاف بل واستخفاف لدى الكثيرين، خاصة في ظل حالة الانهيار التي تعيشها غزة وتراجع دور حماس ميدانيا وسياسيا تحت وطأة العدوان والتفاهمات الدولية التي تتشكل على حساب الواقع الفلسطيني.
وفي هذا السياق، يحاول البعض هدم المعبد على من فيه، من مؤمنين بعدالة قضيتهم وبأساسيات فرضتها التجربة الفلسطينية. وحيث ان القضية الفلسطينية كانت دوما مرتبطة بالفعل الوطني التراكمي، بغض النظر عن القناعات الحزبية، فان ما يجري اليوم من تآكل لهذا الفعل يطرح تساؤلات عميقة حول مصير المشروع الوطني في ظل التحولات الاقليمية، بما في ذلك تداعيات الحرب على ايران وما افرزته من اعادة تشكيل لموازين القوى في المنطقة.
السؤال الذي يطرح ذاته هنا .... هل ما زال هناك اجماع او توافق فلسطيني عام على مفاهيم المشروع الوطني؟ ام ان هذا الاجماع قد تآكل بفعل الانقسامات الحادة، خاصة مع تراجع سلطة حماس في غزة وصعود ترتيبات دولية واحتلالية بديلة، ومع استمرار واقع السلطة الفلسطينية في ازماته البنيوية؟ وهل ما زال هناك اتفاق على اهداف العملية النضالية، ام ان الصراع الفصائلي بات يطغى على الهدف الوطني العام، خصوصا في ظل سعي كل طرف لتثبيت شرعيته في ظل متغيرات اقليمية متسارعة؟ وهل ما زالت الحقوق التاريخية، كالدولة المستقلة وعاصمتها القدس وحق العودة، تشكل نقطة اجماع، ام انها باتت رهينة حسابات سياسية ضيقة وارتباطات خارجية؟
ان مطالعة الواقع الفلسطيني الراهن، في ظل الحرب على غزة وتداعياتها، تكشف الحاجة الى تسمية الاشياء بمسمياتها، والى تحديد اولويات المرحلة. فالمسؤولية الوطنية اليوم تفرض على الجميع، دون استثناء، التعامل بمنطق المصالح العليا للشعب، بعيدا عن الحسابات الفصائلية او الارتباطات الاقليمية، خاصة في ظل تصاعد التوترات في المنطقة، بما في ذلك المواجهة مع ايران وما يرافقها من استقطابات حادة تنعكس مباشرة على الساحة الفلسطينية.
من الواضح ان الساحة الفلسطينية تحولت اكثر من اي وقت مضى الى ساحة لتقاطع المصالح الاقليمية والدولية، وان حالة الانقسام تعمقت رأسيا وافقيا، الامر الذي بات يهدد الهوية الوطنية ذاتها. فغزة التي تعيش حالة انهيار شبه كامل بعد الحرب، لم تعد تحت حكم حماس بالشكل التقليدي، بينما تعاني الضفة الغربية من ازمات السلطة وتآكل شرعيتها، في وقت تنشغل فيه القوى الاقليمية بصراعاتها الكبرى.
وفي محاولة لاستكمال هذا التحليل وخلق حالة نقاش جدي، يمكن التعامل مع الواقع الفلسطيني وفق الاسس التالية:
- ان واقع الانقسام اصبح حقيقة راسخة، تعمقت اكثر بعد الحرب على غزة.
- ان جغرافيا الوطن المحتل باتت اكثر تشرذما، بين سلطة رام الله، وغزة التي تشهد تلاشي سلطة حماس لصالح ترتيبات دولية واحتلالية، وفوق ذلك كله سلطة الاحتلال.
- ان الشعب الفلسطيني مر بتجربة اقتربت من الحرب الاهلية، ومع استمرار الضغط والفراغ السياسي، قد يكون القادم اكثر خطورة.
- ان جوهر الخلاف بين الاطراف يتمحور حول السلطة والسيطرة عليها، سواء ضمن السلطة الفلسطينية او منظمة التحرير.
- ان الفصائل الفلسطينية انخرطت بعمق في المحاور الاقليمية، خاصة في ظل التصعيد مع ايران، ما حول الساحة الفلسطينية الى جزء من صراعات اكبر.
- ان القرار الوطني الفلسطيني اصبح ضعيفا ومصادرا لصالح قرارات فردية، في ظل تعطيل واضح للمؤسسات الرسمية.
- لا وجود لبرنامج سياسي توافقي جامع.
- غياب استراتيجية فعل مقاوم واضحة، خاصة بعد الضربات التي تلقتها حماس في غزة.
- غياب استراتيجية سياسية فاعلة، واستمرار ارتهان الدبلوماسية لنهج تسووي متعثر.
- الاستقطاب الحاد بين فتح وحماس كشف فجوة عميقة في الرؤى، تفاقمت مع انهيار واقع حماس في غزة.
وعلى المستوى القيادي، تعاني الحالة الفلسطينية من ازمات متعددة، منها:
- تمركز الصلاحيات بيد مؤسسة الرئاسة، في ظل ضعف باقي المؤسسات.
- ازدواجية الصلاحيات وتضارب القرارات بين منظمة التحرير والسلطة وحركة فتح.
- انتقال حركة فتح من الحالة الثورية الى السلطوية، وهو ما يتجلى اليوم بوضوح، خاصة مع التحضيرات لانعقاد المؤتمر الثامن للحركة وما يحمله من رهانات داخلية.
- تجربة حماس في الحكم، والتي انتهت عمليا في غزة تحت ضغط الحرب، ادت الى ارباك كبير في خطابها السياسي والمقاوم.
- ازمة قيادة فلسطينية مزمنة، يغلب عليها الطابع الشخصي اكثر من المؤسسي.
وامام كل هذه الوقائع، تبرز ضرورة دعوة الكل الوطني لفهم طبيعة المرحلة وقوانينها، واعادة الاعتبار للمفاهيم الاساسية للعمل الوطني، والتي تتلخص في:
- توصيف المرحلة كمرحلة تحرر وطني، خاصة في ظل العدوان على غزة.
- التأكيد على ان منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
- انجاز الوحدة الوطنية كضرورة لا بديل عنها، خاصة في ظل المخاطر الوجودية الراهنة.
- اعادة بناء المفاهيم القيادية على اساس برنامج سياسي توافقي.
- بناء مؤسسات قيادية منسجمة تعكس المصالح العليا للشعب الفلسطيني، بعيدا عن التجاذبات الفصائلية والاقليمية.



