آراء

إسرائيل وأزمة المجال الحيوي المفقود

47 مشاهدة
إسرائيل وأزمة المجال الحيوي المفقود

الكاتب : عبد العظيم عبد الحق حسن 
نشر الخبير الجيوسياسي الأمريكي المعروف جورج فريدمان مؤخرا تحليلا بالغ الأهمية حول ما سماه (المشكلة الاستراتيجية لإسرائيل ) وهو تحليل لا تكمن أهميته فقط في مضمونه، بل أيضا في الجهة التي يصدر عنها، إذ ينتمي فريدمان إلى المدرسة الواقعية الأمريكية التي تنظر إلى السياسة الدولية من زاوية الجغرافيا والقوة والمصلحة، بعيدا عن الشعارات والأيديولوجيات.
يعيد فريدمان في تحليله طرح السؤال الوجودي الذي رافق إسرائيل منذ تأسيسها: كيف يمكن لدولة صغيرة جغرافيا محدودة العمق الاستراتيجي أن تضمن بقاءها داخل محيط تعتبره معاديا أو رافضا لها؟
فإسرائيل، وفق هذا المنطق، ليست مجرد دولة تواجه تهديدات أمنية عادية، بل دولة تشعر بأن أي هزيمة كبيرة قد تتحول إلى تهديد مباشر لوجودها نفسه، بسبب ضيق مساحتها وافتقارها إلى المجال الحيوي القادر على امتصاص الصدمات العسكرية وإعادة التموضع والمناورة.
ومن هنا تشكلت العقيدة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية منذ عهد دافيد بن غوريون، القائمة على عدة ركائز أساسية: المبادرة إلى الحرب بدل انتظارها، نقل المعركة إلى أرض الخصم، الحسم السريع، والحفاظ الدائم على تفوق عسكري مطلق على جميع القوى المحيطة.
لكن الأخطر في قراءة فريدمان أنه يشير إلى أن هذه العقيدة نفسها بدأت تدخل مرحلة الشك التاريخي. فالتطور التكنولوجي، وظهور الفاعلين من خارج نظام الدولة، وانتشار الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة، كلها عوامل جعلت السيطرة على الأرض أقل قدرة على إنتاج الأمن الحقيقي.
لقد أدركت إسرائيل بعد أحداث أكتوبر 2023 أن حدودها التقليدية لم تعد كافية لحمايتها، فسعت إلى إنشاء مناطق عازلة في غزة، وتعزيز السيطرة على الضفة الغربية، والوصول إلى نهر الليطاني، والتوغل في الجنوب السوري، في محاولة لإعادة إنتاج عمق استراتيجي مفقود . إلا أن فريدمان يرى أن هذه الإجراءات، رغم قوتها العسكرية، لا تحل المعضلة الأصلية، لأن التهديدات الحديثة قادرة على تجاوز الحدود والجغرافيا التقليدية.
الأهم من ذلك أن فريدمان يشكك في فرضيتين شكلتا أساس التفكير الإسرائيلي لعقود طويلة: الأولى أن إسرائيل ستظل دائماً القوة العسكرية المتفوقة في المنطقة، والثانية أن الولايات المتحدة ستبقى حليفاً دائماً وثابتا لها.
وهنا تظهر الأزمة الحقيقية. فالعلاقات الدولية لا تحكمها العواطف أو الالتزامات الأخلاقية المجردة، بل تحكمها المصالح المتغيرة. وقد قامت العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، كما يقول فريدمان، في سياق الحرب الباردة، لكن الحرب الباردة انتهت، والمصالح الوطنية للدول العظمى تتغير مع الزمن.
إن أخطر ما في هذاا التحليل أنه يعيد إسرائيل إلى حقيقتها الجيوسياسية الأولى: دولة صغيرة، شديدة الحساسية تجاه الزمن والحرب والجغرافيا، تعتمد في أمنها على التفوق العسكري، والدعم الدولي ،واستمرار تفكك محيطها الإقليمي.
ولهذا فإن الرهان الإسرائيلي الدائم على الانقسام العربي والإسلامي ليس مجرد تفصيل سياسي عابر، بل جزء بنيوي من مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي نفسه. فأي تحول تاريخي يؤدي إلى نشوء حد أدنى من التكامل االسياسي أو الاقتصادي أو العسكري في المنطقة سيعيد طرح السؤال الذي تحاول القوة العسكرية الإسرائيلية تأجيله منذ عقود: هل تستطيع دولة صغيرة محدودة العمق الاستراتيجي أن تفرض استقرارا دائما بالقوة وحدها؟
لقد استطاعت إسرائيل طوال عقود أن تعوض ضعف الجغرافيا بالتفوق العسكري ، وأن تعوض ضيق المجال الحيوي بالدعم الغربي، وأن تعوض أزمة الشرعية بالقوة. لكن التوازنات لا تبقى ثابتة إلى الأبد، والتاريخ يعلمنا أن الدول التي تبني أمنها على افتراضات دائمة قد تجد نفسها يوما أمام عالم تغيرت قواعده بالكامل.
وهنا تحديدا تكمن خطورة المرحلة الحالية بالنسبة لإسرائيل: ليس فقط في وجود التهديدات المتزايدة، بل في اهتزاز اليقين التاريخي الذي قامت عليه عقيدتها الأمنية والعسكرية منذ التأسيس؛ أي اليقين بأن إسراائيل ستظل دائما القوة العسكرية المتفوقة في المنطقة، وأن محيطها العربي والإسلامي سيبقى مفككا وعاجزا عن تشكيل توازن استراتيجي حقيقي، وأن الولايات المتحدة ستبقى ملتزمة بحمايتها بصورة دائمة.
ذلك اليقين الذي شكل لعقود الأساس النفسي والسياسي والعسكري للدولة العبرية بدأ اليوم يدخل منطقة الشك، ومع دخول الشك إلى االعقائد المؤسسة تبدأ التحولات الكبرى في التاريخ.