آراء

المستور الذي كشفته الحرب !

13 مشاهدة
المستور الذي كشفته الحرب !

الكاتب : د بسام سعيد
 
في الماضي، كانت البيوت تُغلق على أسرارها، ويُنظر إلى ما بداخلها بوصفه شأناً خاصاً تحت بند" البيوت أسرار" . لم يكن أحد يعلم من لديه طفل من ذوي الإعاقة، أو فتاة تعاني من اضطراب ذهني، أو شيخ طاعن في السن عاجز عن الحركة. كانت هذه الحالات تُدار في صمت، داخل جدران تحجبها عن أعين المجتمع والفضوليين وفقا لثقافة المجتمع . 
لكن مع اندلاع الحرب، وانهيار فكرة البيت الآمن ، خرج الناس قسراً من فضاءاتهم الخاصة إلى العراء وتبعثروا وتحوّلت الأسر إلى أجساد متحركة في مساحات مفتوحة: من شمال القطاع إلى مخيمات الوسط، ثم إلى خانيونس، فرفح، ثم العودة إلى دير البلح، ومنها إلى المواصي. لم يعد النزوح حدثاً استثنائياً، بل حالة مستمرة من الترحال القسري.
في هذا السياق، لم يعد بالإمكان إخفاء ما كان مستوراً. ظهرت الإعاقات بكل أشكالها في الفضاء العام: أطفال لا يدركون ما يحدث حولهم، شباب يصرخون دون سبب مفهوم، نساء عاجزات عن الحركة، وشيوخ يُحملون على الأكتاف أو يُتركون خلف الركب لثوانٍ قد تكون قاتلة. الطرق لم تكن مهيأة، ووسائل النقل شبه معدومة؛ فمن استطاع المشي فعل، ومن لم يستطع بحث عن عربة بدائية - كعربة يجرها حمار أو حصان - لتكون بديلاً هشاً لكرامة مفقودة.
ضمن هذا المشهد، تتكشف استراتيجيات التكيّف القاسية التي طورتها الأسر. أحد الآباء، الذي لديه ابن يعاني من إعاقة عقلية، حدثنى وقال لى : قبل إقدامى  على  محاولة إستئجار اى منزل أقدم  اعتراف صريح لصاحب البيت بأن : “ابني يصرخ كثيراً”. لم يعد الإفصاح خياراً أخلاقياً فحسب، بل ضرورة بقاء، لتفادي الطرد لاحقاً. هذا التحول من الإخفاء إلى الإعلان يعكس ضغط الواقع الذي لم يعد يحتمل المجاملة أو التأجيل.
وفي تجربة أخرى كنت شاهدا عليها ، تظهر حدود القدرة الجسدية للنساء الكبيرات في السن، حين عجزت إحداهن عن حمل ابنتها المعاقة أثناء النزوح، لتتحول عملية الخروج من البيت إلى جهد جماعي تشارك فيه نساء أخريات. هنا، يصبح التضامن الأهلي بديلاً مؤقتاً عن غياب المؤسسات، لكنه يظل حلاً هشاً وغير مستدام.
ومع تفكك شبكات الحماية التقليدية، برزت ظواهر أخرى أكثر إيلاماً. نقرأ بشكل شبه يومي على وسائل التواصل الاجتماعي إعلانات عن فقدان أطفال، بل وحتى شباب من ذوي الإعاقة الذهنية، خرجوا من بيوتهم ولم يعودوا، ومنهم جارى الطفل الذى اختفت آثارة ، في ظل غياب القدرة على تتبعهم أو إعادتهم. هذا الواقع ولّد خوفاً مضاعفاً لدى الأسر، دفع بعضها إلى اتخاذ إجراءات قاسية داخل المنزل، مثل تقييد حركة الأبناء- وخاصة الفتيات - بمعنى ربطهن فى احد اركان البيت أو الخيمة ، خشية خروجهم أو ضياعهم،  وبين الخوف من الفقد والخطر الخارجي، وخطورة هذه الممارسات على كرامة الأفراد وسلامتهم النفسية، تجد الأسر نفسها عالقة في خيارات مستحيلة.
كما ظهرت معاناة أخرى يومية وصامتة، تتعلق بعدم توفر الاحتياجات الأساسية لكبار السن والمرضى وذوي الإعاقة. فالحفاظات الطبية (البامبرز)، التي تُعد ضرورة لا رفاهية، أصبحت نادرة أو مرتفعة الثمن إلى درجة تفوق قدرة كثير من العائلات الغنية والفقيرة . 
وفي بيئة نزوح مكتظة وفقيرة للمياه والخصوصية، تتحول هذه التفاصيل الصغيرة إلى عبء نفسي وجسدي قاسٍ على المرضى ومرافقيهم معاً.
وفي الشوارع ومخيمات النزوح، أصبح مشهد الشباب مبتوري الأطراف مألوفاً إلى حد صادم، بعدما تضاعفت أعدادهم خلال الحرب. بعضهم حالفه الحظ بالحصول على طرف صناعي، غالباً بجودة متواضعة، يحاول من خلاله تدبير حياته اليومية واستعادة شيء من استقلاله، بينما بقي آخرون دون أطراف صناعية أو برامج تأهيل، يواجهون واقعاً جديداً بأجساد منهكة ومستقبل غامض.
 لم تعدالإعاقة هنا حالة فردية معزولة، بل تحوّلت إلى جزء من المشهد اليومي العام، وإلى أثر دائم للحرب في أجساد الناس وحياتهم.
حتى الحلول “العملية”، كالحصول على عربة صغيرة لتسهيل حركة ذوى الحاجة ، تعكس مستوى التكيّف الأدنى الممكن، حيث تُختزل احتياجات إنسانية معقدة في أدوات بدائية تضمن الحد الأدنى من النجاة، لا الكرامة.
هذا الواقع لا يخص حالات فردية معزولة، بل عشرات- وربما مئات - العائلات التي تعيش مع أفراد لا يدركون الخطر، ولا يستطيعون الهروب منه. ومع غياب الرعاية المتخصصة، وانهيار المؤسسات الداعمة، وتكرار النزوح، تتحول الإعاقة من حالة صحية إلى عبء مضاعف، يثقل كاهل الأسرة ويهدد بقاءها.
الأمر لا يقتصر على ذوي الإعاقة، بل يمتد إلى كبار السن والمرضى المزمنين، الذين يجدون أنفسهم في سباق غير متكافئ مع الزمن والخطر، دون أدوات أو دعم كافٍ.
تكشف هذه التجربة كيف أن الحرب لا تدمّر البيوت فقط، بل تعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية، وتكشف طبقات الهشاشة التي كانت مخفية تحت ستار الخصوصية. ما كان يُدار في صمت داخل الجدران، أصبح اليوم جزءاً من مشهد عام مفتوح على الألم والعجز والتضامن المؤقت. وبين فقدان المفقودين، والخوف من الفقد، وندرة أبسط مستلزمات الرعاية، وتزايد أعداد مبتوري الأطراف، يتضح أن الكلفة الإنسانية لا تُقاس فقط بعدد الضحايا، بل أيضاً بما تتركه الحرب من آثار طويلة الأمد على الجسد والكرامة والحياة اليومية للناس.

*أكاديمي وكاتب