آراء

حركة فتح من التجديد إلى الاستنهاض.. 

11 مشاهدة
حركة فتح من التجديد إلى الاستنهاض.. 

الكاتب : اللواء بلال النتشة

على امتداد ستة عقود من النضال الوطني، أثبتت حركة فتح أنها ليست مجرد تنظيم سياسي عابر في تاريخ القضية الفلسطينية، بل مشروع وطني متجدد استطاع أن يتجاوز المحطات الصعبة والتحديات الكبرى، وأن يعيد إنتاج ذاته في كل مرحلة بما يتلاءم مع متطلبات النضال الوطني ومصالح شعبنا الفلسطيني.

لقد مرت الحركة بمحطات مفصلية، تعرضت خلالها لحملات استهداف سياسية وتنظيمية وإعلامية، كما واجهت تحديات داخلية وخارجية معقدة، إلا أنها ظلت محافظة على مكانتها باعتبارها العمود الفقري للمشروع الوطني الفلسطيني، والحاضنة الأوسع للهوية الوطنية الفلسطينية الجامعة.

واليوم، وفي ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة، تشهد حركة فتح مرحلة جديدة عنوانها التجديد والاستنهاض، وهي مرحلة تستند إلى مراجعة واعية للتجربة، وإلى إدراك عميق لطبيعة التحديات التي تواجه شعبنا وقضيتنا الوطنية. فالتجديد ليس مجرد تغيير في الأشخاص أو المواقع، بل هو عملية تطوير شاملة للفكر والأداء والأدوات، بما يعزز قدرة الحركة على مواصلة دورها التاريخي في قيادة المشروع الوطني.

إن الحراك التنظيمي الذي تشهده الحركة في مختلف الأقاليم والمفوضيات والأطر القيادية يعكس إرادة حقيقية لاستعادة الزخم التنظيمي وتعزيز التواصل مع الجماهير، خاصة فئة الشباب الذين يشكلون ركيزة المستقبل وحملة الراية في المراحل القادمة. كما أن تعزيز مبدأ الشراكة الداخلية وتوسيع دائرة المشاركة في صنع القرار يمثلان أحد أهم مرتكزات هذه المرحلة.

لقد أثبتت حركة فتح، عبر تاريخها الطويل، أنها قادرة على النهوض من جديد كلما ظن البعض أنها تراجعت أو ضعفت. فهي تشبه في ذلك طائر الفينيق الأسطوري الذي يبعث من بين الرماد أكثر قوة وحيوية. فالحركة التي أطلقت الرصاصة الأولى، وقادت مسيرة الكفاح الوطني، وأسست للكيانية السياسية الفلسطينية المعاصرة، ما زالت تمتلك من الخبرة والشرعية الشعبية والتاريخية ما يؤهلها لتجديد حضورها وريادتها.

ولا يمكن الحديث عن استنهاض الحركة بمعزل عن استنهاض المشروع الوطني الفلسطيني بأسره. ففتح كانت وستبقى حركة تحرر وطني تؤمن بوحدة الشعب والأرض والقضية، وتتمسك بالثوابت الوطنية، وفي مقدمتها حق شعبنا في الحرية والاستقلال وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

إن الرهان الحقيقي اليوم يتمثل في قدرة الحركة على تحويل عملية التجديد إلى برنامج عمل مستدام، يربط بين الأصالة والتحديث، وبين الوفاء لتضحيات الشهداء والأسرى والجرحى، وبين متطلبات المرحلة الراهنة التي تحتاج إلى فكر متجدد وأداء أكثر فاعلية وقرباً من هموم المواطنين.

وفي هذه اللحظة الوطنية الدقيقة، تبدو حركة فتح أكثر إدراكاً لمسؤولياتها التاريخية، وأكثر استعداداً لخوض معركة البناء والتطوير إلى جانب معركة الصمود والمواجهة. ومن هنا فإن استنهاض الحركة ليس هدفاً تنظيمياً فحسب، بل ضرورة وطنية تفرضها تحديات المرحلة واستحقاقات المستقبل.

دروس التجارب الكبرى في إعادة بناء الذات ..

إن الحديث عن التجديد والاستنهاض داخل حركة فتح لا ينفصل عن التجارب العالمية للأحزاب والحركات الوطنية الكبرى التي استطاعت أن تعيد بناء ذاتها في لحظات تاريخية مفصلية. فالتاريخ السياسي المعاصر يقدم نماذج عديدة لأحزاب واجهت تحديات وجودية، لكنها اختارت المراجعة والتطوير بدلاً من الجمود والانكفاء.

وتبرز التجربة الصينية بوصفها واحدة من أهم هذه النماذج. فقد تمكن الحزب الحاكم في الصين من إجراء مراجعات عميقة لمسيرته السياسية والاقتصادية، وانتقل من مرحلة الثورة والتحرير الوطني إلى مرحلة بناء الدولة والتنمية الشاملة. لم يكن ذلك تخلياً عن الثوابت أو الهوية الوطنية، بل إعادة صياغة للأدوات والبرامج بما يتناسب مع متطلبات العصر وتحديات الواقع الجديد. وقد أدركت القيادة الصينية أن الحفاظ على الدور التاريخي للحزب يتطلب التجدد المستمر والانفتاح على الأفكار الحديثة وتطوير آليات الإدارة والحكم، الأمر الذي مكن الصين من التحول إلى قوة دولية مؤثرة دون أن تفقد استقرارها السياسي أو وحدتها الوطنية.

كما تشكل التجربة الفيتنامية نموذجاً ملهماً في القدرة على النهوض بعد سنوات طويلة من الحروب والصراعات. فبعد أن حققت فيتنام استقلالها ووحدتها الوطنية، انتقلت إلى مرحلة جديدة عنوانها الإصلاح والتطوير الاقتصادي والمؤسسي. وقد نجحت القيادة الفيتنامية في تحقيق توازن دقيق بين المحافظة على الثوابت الوطنية والاستجابة لمتطلبات التنمية والتحديث، فاستطاعت بناء اقتصاد متنامٍ ودولة أكثر قدرة على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.

إن القاسم المشترك بين هذه التجارب الناجحة يتمثل في امتلاكها الشجاعة لإجراء النقد الذاتي، والقدرة على استيعاب المتغيرات، والاستثمار في الكفاءات الشابة، وتعزيز المؤسسية، وتجديد الخطاب السياسي والتنظيمي دون المساس بالمرتكزات الوطنية الأساسية.

وعند إسقاط هذه الدروس على الحالة الفلسطينية، فإن حركة فتح تمتلك من المقومات التاريخية والتنظيمية والشعبية ما يؤهلها لخوض عملية تجديد شاملة تعزز مكانتها ودورها الوطني. فالحركة التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود طويلة قادرة على استلهام هذه التجارب من خلال تطوير بنيتها التنظيمية، وتمكين الأجيال الشابة، وتوسيع المشاركة في صنع القرار، وتحديث أدوات العمل السياسي والجماهيري بما ينسجم مع التحولات التي يشهدها المجتمع الفلسطيني.

إن التجديد المطلوب لا يعني القطيعة مع الإرث النضالي العظيم للحركة، بل البناء عليه والانطلاق منه نحو المستقبل. فكما نجحت الأحزاب الكبرى في الصين وفيتنام في الانتقال من مرحلة إلى أخرى دون أن تفقد هويتها ورسالتها، فإن حركة فتح قادرة على أن تقدم نموذجاً فلسطينياً خاصاً في التجديد الوطني، يجمع بين الوفاء لرسالة الشهداء وروح العصر ومتطلبات بناء الدولة الفلسطينية المستقلة.

ومن هنا فإن استنهاض حركة فتح ليس مجرد شأن تنظيمي داخلي، بل هو جزء من عملية أوسع لإعادة الحيوية إلى المشروع الوطني الفلسطيني برمته، وتعزيز قدرته على مواجهة التحديات الراهنة وصناعة المستقبل. فالحركات الكبرى لا تُقاس بقدرتها على تحقيق الإنجازات فحسب، بل بقدرتها على التجدد والاستمرار وقيادة شعوبها في مختلف المراحل التاريخية، وهذا ما يجعل من تجربة فتح اليوم فرصة جديدة لبعث طائر الفينيق الفلسطيني من جديد.

لقد أثبتت التجربة أن فتح عندما تتجدد، يتجدد معها الأمل الوطني، وعندما تنهض تستنهض طاقات شعبها، وعندما تتوحد حول رسالتها وأهدافها تعود أكثر قوة وتأثيراً. لذلك يمكن القول بثقة إن طائر الفينيق الفلسطيني قد بعث من جديد، حاملاً رسالة الوفاء للماضي، والعزم على صناعة المستقبل، والإصرار على مواصلة مسيرة التحرر الوطني حتى تحقيق تطلعات شعبنا الفلسطيني في الحرية والاستقلال والكرامة الوطنية.

*الامين العام للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس