آراء

شارعٌ في إكسل... وسيرةٌ رفضت أن تنتهي

171 مشاهدة
شارعٌ في إكسل... وسيرةٌ رفضت أن تنتهي

الكاتب : أحمد دخيل

في بروكسل، حيث تتقاطع لغات أوروبا وطرقاتها ومصالحها، عاد اسم نعيم خضر هذا العام إلى الضوء بوصفه حضوراً يتجدد كلما أصرّ الفلسطيني على أن الذاكرة شكل من أشكال العدالة. بعد خمسة وأربعين عاماً على استشهاده، افتتحت بلدية إكسل شارعاً يحمل اسمه، فكأن المدينة التي شهدت سقوطه صباح الأول من حزيران عام 1981 قررت أن تعيد إليه حقه في البقاء بين أبنيتها وأشجارها ووجوه العابرين.

من الصعوبة بمكان نجاة الإنسان من النسيان بعد رحيله بعقود، غير أن بعض الرجال ينقشون أسماءهم في الأماكن التي مروا بها كما يكتب النهر مجراه في الصخر. كان نعيم خضر واحداً من أولئك، ذلك الرجل الذي اختار طريقاً أكثر وعورة: أن يقنع العالم بأن فلسطين قضية شعب يستحق الحرية والكرامة والاعتراف.

وُلد نعيم خضر في الثلاثين من كانون الأول عام 1939 في قرية الزبابدة قضاء جنين. وكان في التاسعة من عمره حين فقد والده، فعرف باكراً معنى الفقد والمسؤولية. درس في مدرسة اللاتين في قريته، وهناك لفت انتباه كاهن الرعية الذي شجعه على متابعة تعليمه، لينتقل لاحقاً إلى المعهد الإكليريكي في بيت جالا. وعلى مدى سنوات انصرف إلى دراسة الفلسفة واللاهوت واللغات، فأتقن الفرنسية والإيطالية إلى جانب الإنجليزية، وأظهر تفوقاً أكاديمياً لافتاً.

لكن الشاب الذي أمضى سنواته الأولى في طريق الكهنوت اكتشف في سنته الأخيرة أن رسالته ليست خلف جدران الدير. غادر المعهد الإكليريكي بعدما أدرك أن دعوته الحقيقية تكمن في خدمة الناس وقضاياهم في المجال العام، وبعد فترة من التدريس في مدارس الأردن، ظل السؤال عن المستقبل يطارده إلى أن حسم أمره بالسفر إلى بلجيكا لمتابعة دراسته الجامعية.

في جامعة لوفان بدأ فصل جديد من حياته. كانت الطريق صعبة أمام الطالب الفلسطيني الشاب. كان يدرس نهاراً ويعمل ليلاً لتأمين نفقات تعليمه. قرأ لرجل أعمى، وخدم في المطاعم والمقاهي، وقام بأعمال متواضعة كثيرة ليبقى على مقاعد الدراسة. وكان الإصرار الذي حمله من قريته الصغيرة أكبر من الصعوبات. وفي عام 1969 حصل على الدكتوراه في الحقوق، ونال دبلوماً في علوم البلدان النامية، وانتُخب رئيساً لاتحاد الطلاب الأجانب بعد أن كان رئيساً لاتحاد الطلاب العرب في الجامعة.

كان يرى في القانون، إلى جانب كونه مهنة، لغة أخرى للدفاع عن شعبه. ولهذا تابع تخصصه في القانون الدولي في جامعة بروكسل الحرة، بالتوازي مع عمله في سفارة المملكة العربية السعودية ومكتب الجامعة العربية في بلجيكا، حيث تولى مسؤوليات إعلامية وسياسية متزايدة.

في تلك السنوات كانت القضية الفلسطينية تبحث عن نافذة تخاطب منها أوروبا بلغة تفهمها وتحترمها. وقد وجد الفلسطينيون في نعيم خضر واحداً من أكثر الأصوات قدرة على أداء هذا الدور. فمنذ انضمامه إلى حركة فتح عام 1968، وضع خبرته القانونية وثقافته الواسعة في خدمة منظمة التحرير الفلسطينية. ومع اتساع الاعتراف الدولي بالمنظمة، أخذ حضوره السياسي يزداد تأثيراً.

وعندما اعترفت الحكومة البلجيكية بمنظمة التحرير الفلسطينية رسمياً عام 1976، جرى تعيينه مديراً لمكتب المنظمة في بروكسل تتويجاً لسنوات من العمل الدؤوب. وكان حضوره في الأوساط الأوروبية ثمرة سنوات من العمل الأكاديمي والطلابي والثقافي، ما جعله واحداً من أكثر الفلسطينيين معرفةً بالمجتمع البلجيكي وقدرةً على مخاطبته بلغته ومنطقه. وقد ساعدته معرفته العميقة بالمجتمع البلجيكي، وإتقانه للغات، وعلاقاته الواسعة، إضافة إلى زواجه من البلجيكية برناديت رينبو عام 1972، على بناء شبكة واسعة من الصداقات والعلاقات مع سياسيين وبرلمانيين وأكاديميين ورجال فكر في مختلف دول أوروبا الغربية.

لم يكتفِ بالعمل الدبلوماسي اليومي، فقد وضع عدداً من الدراسات والأبحاث حول القضية الفلسطينية، وكان من بين مؤلفاته كتاب تناول فكرة الدولة الفلسطينية المقترحة في وقت كانت فيه هذه الفكرة لا تزال موضوعاً للنقاش أكثر منها مشروعاً سياسياً قابلاً للتحقق.

وكان في شخصيته ما يجعل الحوار معه ممكناً حتى لمن يختلفون معه. فما طلب يوماً تعاطفاً بعيداً عن القناعة، إذ سعى باستمرار لبناء قناعة راسخة بحقوق شعبه، لذلك رأى فيه كثيرون صورة مختلفة للفلسطيني، صورة الإنسان المتعلم والمنفتح والواثق بعدالة قضيته.

غير أن الذين يحملون القضايا الكبيرة كثيراً ما يدفعون أثماناً عظيمة. ففي صباح بروكسلي هادئ من الأول من حزيران عام 1981، خرج نعيم خضر من منزله متوجهاً إلى مقر عمله. كان يوماً عادياً بالنسبة إلى المدينة، لكنه كان اليوم الأخير في حياة رجل جعل من الدفاع عن فلسطين رسالته اليومية. اغتيل أمام منزله في عملية نُسبت إلى الموساد الإسرائيلي، ليسقط جسده فيما بقي حضوره حياً في ذاكرة كثيرين عرفوه أو تأثروا به.

ولم تنته الحكاية عند الرصيف الذي شهد لحظاته الأخيرة. فبعد أسابيع قليلة من اغتياله، حمل اسمه جيل جديد من الفلسطينيين، إذ أطلقت حركة فتح على إحدى دورات الأشبال في معسكر عدرا بسوريا اسم "دورة الشهيد نعيم خضر"، وهي الدورة التي كان لي شرف المشاركة فيها، في إشارة إلى المكانة التي احتلها في الوعي الوطني الفلسطيني وإلى الرغبة في أن تبقى سيرته حاضرة في ذاكرة الأجيال الصاعدة. وكان ذلك واحداً من أوائل أشكال التكريم الشعبي التي أعقبت رحيله، قبل أن تتوالى المبادرات التي حفظت اسمه في الذاكرة الفلسطينية والعربية والأوروبية.

وبعد ما يقارب ثلاثة عقود، استعادت زوجته برناديت تفاصيل ذلك الصباح في عمل مسرحي بلجيكي بعنوان "للذكرى". روت كيف كانت تتحدث عبر الهاتف حين سمعت دوي إطلاق نار في الخارج، قبل أن تتجه نحو النافذة وترى رجلاً ممدداً على الرصيف يرتدي معطف زوجها وإلى جواره بركة من الدم.
 لحظة واحدة كانت كفيلة بتغيير حياة كاملة، وكانت أيضاً بداية ذاكرة طويلة رفضت أن تنطفئ.

وقد أعادت المسرحية، التي تناولت كذلك مصائر شخصيات فلسطينية أخرى اغتيلت في أوروبا، طرح أسئلة العدالة والذاكرة بعد سنوات طويلة من وقوع الأحداث، وهكذا انتقل اسم نعيم خضر من الملفات السياسية إلى فضاء الثقافة والفن، ليصبح جزءاً من الذاكرة البلجيكية بقدر ما هو جزء من الذاكرة الفلسطينية.

بعد اغتياله نُقل جثمانه إلى بيروت، حيث كان في استقباله ياسر عرفات وأقيم له تأبين كبير، قبل أن يُنقل إلى عمّان ويوارى الثرى فيها.

غير أن الرحلة التي بدأت في الزبابدة لم تنته عند القبر. فقد واصل الرجل حضوره عبر الأفكار التي دافع عنها، والعلاقات التي بناها، والاحترام الذي تركه خلفه في أكثر من بلد. وربما كان ذلك أعظم انتصاراته، أن يبقى حاضراً في الذاكرة العامة بعد عقود من رحيله، بوصفه نموذجاً لفلسطيني استطاع أن يحول المعرفة والحوار والعمل الدؤوب إلى شكل من أشكال النضال.

واليوم، حين يحمل شارع في إكسل اسمه، يتعدى الحدث تكريماً رمزياً لشخصية تاريخية. إنه اعتراف بأن رجلاً جاء من قرية فلسطينية صغيرة استطاع أن يترك بصمته في قلب أوروبا. اعتراف بأن الكلمة قد تعيش أكثر من الرصاصة، وأن الجسور التي تُبنى بين الشعوب تبقى غالباً أقوى من محاولات هدمها.

هكذا يعود نعيم خضر إلى بروكسل. لا يعود في صورة تمثال من حجر، ولا في أرشيف الوثائق والصور فقط، ها هو يعود في شارع يحمل اسمه ويمنح المارة فرصة أن يسألوا: من كان هذا الرجل؟

وعندما يُطرح السؤال، تبدأ الحكاية من جديد.

وحين تبدأ الحكاية من جديد، تنتصر الذاكرة مرة أخرى على النسيان.