آراء

التعليم في القدس ... عندما تصبح المعرفة عبئًا اقتصاديًا

66 مشاهدة
التعليم في القدس ... عندما تصبح المعرفة عبئًا اقتصاديًا

الكاتبة : غدير فوزي جابر 

لطالما كان التعليم بوابة الارتقاء بالمجتمعات، والاستثمار الأكثر جدوى في الإنسان، إلا أن هذه الحقيقة أصبحت تصطدم اليوم بواقع اقتصادي مرير تعيشه آلاف الأسر الفلسطينية، ولا سيما في مدينة القدس، حيث تحولت كلفة التعليم إلى أحد أكبر التحديات التي تستنزف دخل العائلات وتثقل كاهلها عامًا بعد عام.

في القدس على وجه الخصوص، تواجه الأسر أعباء مالية متزايدة تتمثل في أقساط المدارس الخاصة، ورسوم التسجيل، والكتب والزي المدرسي، والمواصلات، والأنشطة اللامنهجية، فضلًا عن التكاليف الجامعية التي أصبحت تفوق قدرة شريحة واسعة من المواطنين. ولم يعد التعليم يمثل مجرد حق أساسي تكفله المبادئ الإنسانية، بل أصبح بالنسبة لكثير من العائلات مشروعًا ماليًا طويل الأمد يتطلب تضحيات جسيمة.

وتنعكس هذه الأعباء بصورة مباشرة على الحياة اليومية للأهالي، إذ يضطر العديد من الآباء والأمهات إلى العمل في أكثر من وظيفة، أو تمديد ساعات العمل إلى الحد الأقصى، أو اللجوء إلى الاقتراض، فقط لضمان استمرار أبنائهم على مقاعد الدراسة. وفي كثير من الأحيان، تتحول الأسرة بأكملها إلى خلية عمل هدفها الوحيد تأمين الأقساط الدراسية، على حساب الاستقرار الأسري والصحة النفسية وجودة الحياة.

ولا يقتصر هذا الواقع على القدس وحدها، بل يمتد إلى جامعات الضفة الغربية، حيث تشكل الرسوم الجامعية، إلى جانب تكاليف السكن والمواصلات والكتب، عبئًا إضافيًا على الطلبة وأسرهم. ويجد كثير من الشباب أنفسهم مضطرين للعمل أثناء الدراسة، أو تأجيل تعليمهم، أو حتى الانسحاب من الجامعة بسبب الظروف المالية، وهو ما يحرم المجتمع من طاقات بشرية كان يمكن أن تسهم في التنمية والنهضة.

إن استمرار ارتفاع تكاليف التعليم يهدد مبدأ تكافؤ الفرص، ويؤدي إلى اتساع الفجوة الاجتماعية، بحيث يصبح الحصول على تعليم جيد مرتبطًا بالقدرة المالية لا بالكفاءة أو الطموح. وعندما يتحول التعليم إلى امتياز لفئة ميسورة، فإن المجتمع يخسر أحد أهم مقومات العدالة الاجتماعية، ويصبح المستقبل رهينة للقدرة على الدفع بدلًا من القدرة على الإبداع والتميز.

كما ان بناء مجتمع قوي ومتماسك يبدأ من ضمان حق جميع أفراده في التعليم، بغض النظر عن أوضاعهم الاقتصادية. فالتعليم ليس سلعة تجارية، وإنما حق إنساني واستثمار وطني ينعكس أثره على الاقتصاد والتنمية والاستقرار الاجتماعي.

ومن أخطر التداعيات التي أفرزها الارتفاع المتواصل في أقساط المدارس الخاصة في القدس، والتي تصل في بعض الحالات إلى عشرات آلاف الشواكل سنويًا، أن عددًا متزايدًا من الأسر أصبح يجد نفسه أمام خيارات صعبة لا تعكس قناعاته التربوية بقدر ما تعكس ظروفه الاقتصادية. فالعائلة التي تعجز عن تحمل الرسوم قد تلجأ إلى تسجيل أبنائها في المدارس التابعة لبلدية القدس لأنها لا تفرض الأقساط نفسها أو لأنها أقل كلفة، وهو ما يجعل القرار التعليمي بالنسبة لكثير من الأسر قرارًا اقتصاديًا بالدرجة الأولى، وليس خيارًا نابعًا من تفضيل تربوي أو ثقافي. وعندما يصبح الوضع المالي هو العامل الحاسم في تحديد المدرسة والمنهاج، فإن ذلك يطرح تساؤلات جدية حول مدى تكافؤ الفرص وحرية الأسر في اختيار التعليم الذي تراه مناسبًا لأبنائها.

كما أن الفجوة لا تقتصر على الرسوم الدراسية، بل تمتد إلى حجم الخدمات والإمكانات التي يحصل عليها الطلبة. فبعض المدارس التي تحظى بتمويل أكبر توفر مختبرات علمية حديثة، وقاعات حاسوب متطورة، وملاعب رياضية مجهزة، وبرامج إثرائية، وأنشطة فنية وثقافية، وخدمات دعم تربوي ونفسي، ورحلات تعليمية، إضافة إلى وسائل تعليم رقمية تعزز العملية التعليمية. وفي المقابل، تعاني مدارس عربية عديدة، ولا سيما تلك ذات الموارد المحدودة، من نقص في الإمكانات والبنية التحتية والأنشطة، الأمر الذي ينعكس على البيئة التعليمية والفرص المتاحة أمام الطلبة لتنمية مهاراتهم وقدراتهم.

ولا يقف أثر هذا التفاوت عند الطلبة فحسب، بل يمتد إلى المعلمين أيضًا. فالمعلم الذي يعمل في مدرسة تفتقر إلى الموارد يجد نفسه مطالبًا ببذل جهود مضاعفة لتعويض النقص في الوسائل التعليمية، في حين قد يواجه تحديات تتعلق بالأجور أو فرص التطور المهني أو الاستقرار الوظيفي مقارنة ببيئات تعليمية تتمتع بموارد أكبر. ومن هنا، فإن تحسين واقع التعليم لا يقتصر على تخفيض الأقساط الدراسية، بل يتطلب أيضًا الاستثمار في المدارس العربية، وتطوير مرافقها، ودعم كوادرها التعليمية، بما يضمن بيئة تعليمية عادلة تحفظ كرامة المعلم، وتوفر للطالب فرصًا متكافئة للنمو والتفوق، بعيدًا عن الفوارق التي تفرضها الإمكانات المالية.

ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى جملة من التوصيات العملية، من أبرزها:

  • إعادة النظر في الرسوم الدراسية في المدارس والجامعات بما يتناسب مع مستويات دخل الأسر الفلسطينية.
  • توسيع برامج المنح الدراسية والإعفاءات لتشمل شريحة أكبر من الطلبة المحتاجين.
  • إنشاء صناديق وطنية لدعم التعليم بمساهمة الحكومة والقطاع الخاص والمؤسسات الأهلية ورجال الأعمال.
  • تقديم قروض تعليمية ميسرة وطويلة الأجل دون فوائد مرهقة، بما يضمن استكمال الطلبة لدراستهم.
  • تعزيز الرقابة على الرسوم المدرسية والحد من الزيادات غير المبررة.
  • دعم المدارس والجامعات ماليًا بما يقلل اعتمادها على رفع الأقساط لتغطية نفقاتها.
  • تشجيع المبادرات المجتمعية التي تكفل الطلبة المتفوقين وذوي الدخل المحدود.

وفي الختام، فإن مستقبل أي أمة يُقاس بقدرتها على توفير التعليم لأبنائها دون تمييز. فحين يُحرم الطالب من حقه في التعلم بسبب الفقر، فإن الخسارة لا تقع على الأسرة وحدها، بل تمتد إلى المجتمع بأسره. ومن هنا، فإن تخفيض كلفة التعليم لم يعد مطلبًا اقتصاديًا فحسب، بل أصبح ضرورة وطنية وأخلاقية لضمان أن يبقى التعليم حقًا متاحًا للجميع، لا امتيازًا تحتكره فئة قادرة على تحمل أعبائه. فالأمم تُبنى بالعلم، والعلم لا ينبغي أن يكون حكرًا على الأغنياء، بل جسرًا يعبر عليه جميع أبناء الوطن نحو مستقبل أكثر عدالة وازدهارًا.

*مسؤولة ملف التعليم في المؤتمر الوطني الشعبي للقدس