الكاتب : عيسى قراقع
كانت ليلة طويلة مساء الأحد 12.7.2026 خلال عودتي من مدينة رام الله الى بيت لحم، ليلة تنغيص وترقب وجنون، بحر من المركبات المتزاحمة المتصادمة وهي تخوض معركة العبور على الرصيف، غبار وحديد وصراخ وشتائم، حاجز جبع مغلق، نشرة أخبار الحواجز لم تصدق هذه المرة، بضع جنود أو جنديات أوقفوا الحركة، أوقفوا تنفس المدينة، تركوا الناس تتلاطم فوق بعضها أمام بوابة رام الله المنصوبة على جسد معلق.
شعرت أنني اعبر من نسخة مني الى نسخة أخرى، هناك لا يمر الإنسان بجسده فقط، بل يمر بما تبقى من كرامته، الحاجز ليس بوابة بين مكانين، بل آلة وتقنية سياسية ونفسية وثقافية لإعادة إنتاج الإنسان الفلسطيني مرة بعد مرة حتى يصبح كائنا متعدد النسخ، وان يستخدم النسخة المناسبة في كل محطة.
ها أنا في مصنع استنساخ البشر، على الحاجز العسكري في جبع، ساعات وساعات، ضجيج، ضغط على الدماغ والأعصاب، مسرحية إذلال يومي، شخص آخر يولد تحت الإكراه، فأنت في رام الله ليس انت على الحاجز، تعريفك لنفسك داخل رام الله يتغير على الحاجز، يسقط جمالك أن كنت جميلا وسط البشاعة والاوساخ، تسقط شعاراتك الكبيرة وسط هندسة الطاعة وصوت ميكانيكا القهر.
يا الهي لقد تعودت أن اتعدد واكون أكثر من واحد، نبرتي العالية انخفضت،. ملامحي الصارمة هدأت، كلماتي مختصرة، حركة عيني محسوبة، حتى لا تثير شكا، اوغضب المجندة أو رصاصة، الحاجز أنتج خوفا في داخلي كي أنجو من بين هذه الحشود المتزايدة.
الزمن ينطفئ، هناك زمن آخر يتشكل، وصفه صديقي بانه اقتصاد الزمن المسروق، الوقت ليس لي، ساعة الجندي متوقفة، رعب حولي، سيارة إسعاف تزعق، قلق وانتظار، انهيار نفسي وجماعي، جغرافيا الخوف، إدارة الحياة والموت، إدارة التوتر، الاحتباس الإنساني، ايام حشر، حولي جدار وامامي مستوطنة، يقول لي الحاجز راقب نفسك بنفسك، واعد ترتيب احلامك وفق حدود القوة المفروضة عليك.
استنسخت نفسي على حاجز جبع العسكري، نسيت اني كنت في رام الله، صرت أكثر من نسخة: نسخة تريد أن تعبر الحاجز، نسخة تفتش عن طريق آخر، نسخة منهكة مجروحة الذاكرة، نسخة تنظر إلى أضواء المدينة البعيدة القريبة وتكثر من الاسئلة، نسخة مهذبة السلوك، منضبطة الكلام والحركة.
الاستعمار هو هذا الحاجز، لا يكتفي باحتلال الأرض، بل يسعي الى حشر البشر في أقفاص، يعيد تشكيل الأعصاب قبل الخرائط، يحتل اللغة قبل الحدود، السيطرة على الذات وإعادة تصميم الهوية هي الاحتلال الاكثر خطرا.
انا نسخة معلبة على حاجز جبع العسكري، منفصم ومستنسخ إلى أكثر من أنا، ممزقا ما بين ما أقوله وما يسمح لي أن أفعله، انا انتم كلكم، فاي نسخة تتكلم الان؟

