الكاتب : احمد دخيل
تدخل الجماهير لملاعب نهائيات كأس العالم محملة بما اختزنته من ذاكرة، وما آلمها من جراح، وما تراكم من أحلام لم تجد طريقها إلى التحقق.
تجلس في المدرجات وهي تحمل معها تاريخها كله، وتسكن بهدوء إلى جواره. لهذا كانت هناك، في نهائي كأس العالم، منتخبات أكثر من تلك التي أحصاها جدول البطولة. كان على العشب منتخبان يتنازعان الكأس، وكان في القلوب منتخب ثالث، لم يظهر اسمه على لوحة النتائج، لكنه حضر في وجدان ملايين البشر . كان اسمه فلسطين.
منذ زمن لم أعد أصدق العبارة التي يكررها كثيرون: دعوا الرياضة بعيدة عن السياسة.
الرياضة لا تلاحق السياسة، غير أن الأخيرة هي التي طاردت الجماهير إلى آخر مقعد المدرج. وما دام الإنسان يدخل الملعب بقلبه، فسيدخل معه كل ما يسكن هذا القلب، وطنه، وخوفه، وأطفاله، وذكرياته، وأسماء الذين رحلوا قبل أن يكتمل الحلم.
لهذا كانت المباراة، بالنسبة لي لحظة رأيت فيها العالم وهو يعيد ترتيب نفسه، ولو على سبيل المجاز. العالم نفسه الذي عجز عن إنصاف الضحية في ميادين كثيرة، بدا كأنه يبحث، داخل لعبة، عن شيء من توازنه الأخلاقي المفقود.
الفلسطيني لا يستطيع أن يخلع وطنه عند باب الملعب كما يخلع معطفه. فلسطين لم تنتظر صافرة النهاية كي تعود إلى الذاكرة، لأنها لم تغادرها أصلًا. والحرب لا تمنح ضحاياها هدنة من الألم. لذلك امتزجت متعة الكرة، في تلك الليلة، بذلك الحزن العميق الذي صار، من فرط ملازمته لنا، جزءًا من بنية الروح.
إن تعاطف كثير من الفلسطينيين والعرب مع إسبانيا تجاوز الانبهار بجمال الأداء، على الرغم من أن المنتخب الإسباني قدم واحدة من أرقى الصور الكروية في البطولة. كان في الأمر ما هو أبعد من الإعجاب الفني. فالشعوب التي خبرت الخذلان طويلًا لا تنسى من اقترب من عدالتها الإنسانية. وهي لا تحفظ المواقف للتربح بها، إلا أنها تجد فيها عزاءً أخلاقيًا في زمن شحّت فيه المواقف.
ولذلك اكتسبت مواقف إسبانيا الرسمية تجاه فلسطين مكانة خاصة في الوجدان العربي، بينما كان الانحياز السياسي المعلن للحكومة الأرجنتينية الحالية في الاتجاه الآخر حاضرًا في خلفية المشهد. والملاعب لا تحل محل البرلمانات، لكن ذاكرة الشعوب لا تعرف هذا الفصل الحاد بين الرموز والوقائع لأنها تتلقى الصورة كلها مرة واحدة.
وحين دخل قائد المنتخب الإسباني إلى أرض الملعب آخذًا بيد طفلة محجبة، لم أشغل نفسي بالسؤال: هل كانت الرسالة مقصودة أم لا؟ فالمعاني الكبيرة تعيش في قلوب من يستقبلونها.
والصورة حين تخرج إلى الناس، تصبح ملكًا لهم. وكل شعب يقرأها بلغته الداخلية. ولعل أجمل ما في تلك اللحظة أنها لم تتكلم. فالصور العظيمة لا تحتاج لمن يفسرها.
تابعت هذا المونديال كما يتابع القارئ رواية يخشى نهايتها. كنت أريد، مثل ملايين العرب، أن أصدق أن كرة القدم ما زالت تحتفظ بشيء من عدالتها الأولى. لكن مباراة مصر أمام الأرجنتين تركت في داخلي أثرًا لم يغادرني. غير أن الهزيمة لم تثقل القلب، لأن الهزائم جزء من جمال الرياضة، والمنتخبات الكبيرة تعرف أن الخسارة وجه آخر للمنافسة. ما أثقل القلب وبقي في الذاكرة ذلك الشعور الذي سكن قطاعًا واسعًا من الجماهير العربية بأن العدالة التحكيمية لم تبلغ يومها أفضل أحوالها. خرجت مصر من البطولة، لكن السؤال ظل واقفًا عند باب الوجدان: لماذا يبدو الإنصاف، في بعض الأحيان، أكثر ندرة من الأهداف؟
ربما لهذا تابعت النهائي بعين مختلفة، كنت أبحث عن انتصار الفكرة الجميلة. كنت أريد أن أرى كرة القدم وهي تكافئ من منحها أجمل ما عنده.
وكانت إسبانيا تلعب وهي تطارد المعنى ولا تطارد الكأس. ثمة فريق يفوز لأنه أقوى، وآخر يفوز لأنه أوضح فكرة. و الثاني هو الذي يبقى في الذاكرة.التمريرات كانت تتوالد من بعضها كما تتوالد الجملة الجميلة من الجملة التي قبلها. لا استعجال، ولا استعراض، ولا خوف. ثقة هادئة تشبه ثقة النهر في طريقه إلى البحر.
وحين جاء الهدف، بدا وكأنه يسير نحو المرمى قبل أن تبدأ المباراة.
هناك أهداف لا تصنع نتيجة غير أنها تلمّح للعدالة الكامنة في مجرى اللعب.
ولطالما خطر لي أن المتصوفة كانوا سيحبون كرة القدم لو رأوها في أجمل تجلياتها. ليس لأنها تعلم الفوز، وإنما لأنها تعلم التخلي. اللاعب الذي يحتكر الكرة يضيق بها، والذي يهبها في اللحظة المناسبة يوسع معناها. كأن اللعبة كلها درس طويل في هزيمة الأنا. أليس هذا ما أراده أهل التصوف حين دعوا الإنسان إلى أن يتحرر من ثقله، حتى يصبح أخف من أنانيته؟ كلما خف تعلق المرء بنفسه، اتسعت روحه. وكلما اتسعت روحه، صار أقدر على رؤية الحقيقة. وربما لهذا بدت بعض التمريرات الإسبانية أقرب إلى أوراد صامتة منها إلى مهارات رياضية، إيقاع واحد، ونفس واحد، وثقة لا تحتاج إلى ضجيج.
انتهت المباراة، وانصرف كل واحد إلى فرحه الخاص. كان هناك من احتفل لأن منتخبًا أوروبيًا أحرز لقبًا عالميًا جديدًا، ومن احتفى بأن الفريق الأفضل انتصر، ومن سُرّ لأنه رأى كرة القدم تستعيد شيئًا من جمالها القديم.
أما الفلسطيني، فقد احتفل لسبب مختلف.
احتفل لأنه شعر، ولو لساعات قليلة، أن العالم لم يغلق نوافذه كلها. وأن الضمير، مهما بدا محاصرًا، لا يزال قادرًا على أن يجد لنفسه مكانًا في قلب إنسان، أو في موقف دولة، أو في صورة صامتة، أو حتى في مباراة كرة قدم.
لهذا أقول إن فلسطين فازت في مونديال لم تحضره.
لا لأن الكأس ذهبت إليها، ولا لأن هدفًا يستطيع أن يحرر أرضًا، أو يعيد شهيدًا، أو يوقف حربًا. تلك أوهام لا تليق بعقل يعرف قسوة العالم.
لكن الشعوب لا تعيش بالوقائع وحدها.
إنها تعيش أيضًا بالمعاني.
وحين يشتد الخراب، يصبح المعنى آخر ما تبقى للإنسان من وطن.
وربما كانت هذه هي البطولة الوحيدة التي لا تستطيع قوة في الأرض أن تنتزعها من أحد.

