آراء

من نيويورك ... «لِنكُن نِدّاً» بين شرعية القوة وقوة الشرعية .

6 مشاهدة قراءة 8 دقيقة

الكاتب 

* د. مروان إميل طوباسي .

لم يكن خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد عرض لمواقف إدارته ، بل عكس رؤية للعالم تقوم على أولوية القوة والمصلحة القومية لرأس المال الأميركي ، والتعامل الانتقائي مع القانون والمؤسسات الدولية عندما تتعارض مع خيارات الدولة التي تعتبر نفسها الأقوى . فالتهديد باستخدام القوة الغاشمة والهجوم على المحكمة الجنائية الدولية وازدواجية المعايير ، تعكس اتجاهاً تصبح فيه القوة أداة لصناعة الشرعية ، بدلاً من أن يكون القانون قيداً عليها .

وفي المقابل ، عبّرت كلمات عدد من القادة بالجلسة الاولى عن رفض متزايد لمنطق الهيمنة . فحذّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من العودة إلى «قانون الغاب»، ورفض الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا سياسات الهيمنة والأحتلال والتدخل في شؤون الدول ، فيما حذّر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من جرائم الإبادة بحق شعبنا . ولخّص الملك الأردني عبد اللّه الثاني جانباً من المعضلة بقوله إن المجتمع الدولي اختار طوال عقود إدارة الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي بدلاً من حله .
أما الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش فلخّص جوهر المسألة بالتأكيد أن السلام يعني تقييد القوة بالقانون .

نحن إذن أمام صراع يتجاوز فلسطين بين «شرعية القوة» و«قوة الشرعية» ، فيما تبقى قضيتنا أحد أكثر الإختبارات وضوحاً لمصداقية النظام الدولي .

وفي هذا المشهد تتجه الأنظار اليوم إلى كلمة الأخ الرئيس محمود عباس عبر الفيديو ، بعد منعه والوفد الفلسطيني من الوصول إلى نيويورك . وهنا تبدو الحاجة إلى خطاب يحمل موقفاً ومبادرة يمكن اختصار جوهرهما بكلمتين: «كُن نِدّاً» .

والندية تعني أن نتحدث باعتبارنا أصحاب قضية تحررية وحقوق غير قابلة للتصرف ، لا طالبي مِنّة من أحد ، وأن نؤكد استقلال القرار وحفظ الكرامة وحق المبادرة ، والتمسك بوحدة الأرض والشعب والقضية والولاية الوطنية ، ورفض أن يصبح مستقبل غزة أو نظامنا السياسي موضوعاً لترتيبات تُقرر من خارجنا .

وكن نداً ، تعني أيضاً امتلاك شجاعة المراجعة ،  فبعد ثلاثة وثلاثين عاماً على «أوسلو»، تمدد الاستيطان، وعُزلت القدس، وتتعرض الضفة للتفتيت، فيما بقي الأحتلال صاحب السيطرة الفعلية على الأرض والحدود والموارد . والمراجعة ليست محاكمة للماضي رغم ضرورتها ، بل شرط لتصحيح المسار عندما تتغير شروط الصراع ، بجرأة اعلان ذلك امام العالم .

و«كُن نِدّاً» تعني ألا تبقى العلاقة مع الولايات المتحدة انتظاراً لما تقرره واشنطن ، دون أن يعني ذلك القطيعة معها ، بل توسيع خياراتنا الدولية ، وعدم حصر قضيتنا في بوابة سياسية واحدة ، والاستفادة من التحولات الدولية الجارية ومواقف «البريكس» والجنوب العالمي ودول أوروبية .

وتعني كذلك الانتقال من مطالبة العالم بتنفيذ قراراته إلى استخدام ما تتيحه الشرعية الدولية من أدوات سياسية وقانونية ودبلوماسية ، وتحويل الاعتراف المتزايد بدولة فلسطين من شأن رمزي إلى قوة عملية لمواجهة الضم والاستيطان والتهجير والتهويد ، والتمسك بمسار المحاكم الدولية بمساءلة ومعاقبة مرتكبي جرائم الحرب والإبادة الجماعية وحق شعبنا بالتعويض .

وفي هذا السياق ، لا بد من التوقف أمام دلالات قرار مجلس الأمن ٢٨٠٣ وما قد يفتحه من ترتيبات وصاية على غزة وإدارة سكانها بدلاً من إنهاء الأحتلال . فغزة كالقُدس ليست فراغاً سياسياً ، بل جزء أصيل من دولة فلسطين ووحدة أرضها وولايتها الوطنية ، ومنظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا والمرجعية السياسية والقانونية لمؤسسات دولة فلسطين ، مع ضرورة استنهاضها وتطويرها .

لكن الندية مع الخارج تبدأ من الداخل ، فلا قرار وطني مستقل من دون شرعية وطنية متجددة . لذلك فإن إجراء الانتخابات في موعدها ، وإنهاء الانقسام ، وتطوير منظمة التحرير وتجديد مؤسساتها بما فيها المجلس الوطني ، وتعزيز الديمقراطية وفصل السلطات وقيم العدالة وسيادة القانون ، وإعادة الشعب إلى موقعه باعتباره مصدر السلطات ، ليست ملفات داخلية منفصلة عن المواجهة ، بل مصادر للقوة تعزز مصداقيتنا أمام العالم اليوم .

لقد مُنع الرئيس من الوصول إلى نيويورك ، لكن فلسطين لم تُمنع من الحضور . وتصويت ١٥٢ دولة لصالح مشاركتها حمل بحد ذاته رسالة بأن إرادة دولة واحدة، مهما بلغت قوتها، لا تختصر إرادة المجتمع الدولي . والذاكرة تستعيد عام ١٩٨٨ ، حين مُنع الرئيس الشهيد ياسر عرفات من دخول نيويورك ، فانتقلت الجمعية العامة إلى جنيف ليستمع العالم إليه . وبين نيويورك وجنيف تتكرر المسألة ذاتها ، قوة تحاول المنع ، وشرعية تمتلك أدوات لفرض حضورها .

فالندية لا تعني توهّم تساوي موازين القوة ، بل ألا نسمح لاختلالها بأن يسلبنا استقلال القرار والكرامة وحق المبادرة ، وأن نحسن استثمار التضامن الدولي المتسع وتغير الرأي العام العالمي والعزلة السياسية والأخلاقية المتنامية لإسرائيل ، وتحويلها إلى رصيد سياسي وقانوني ودبلوماسي فلسطيني .

وهذه هي الرسالة التي نحتاج أن تصل من فلسطين إلى نيويورك ، نحن لسنا موضوعاً في مشاريع الآخرين ، ولا أسرى خيارات الماضي ، بل شعب يملك حقه وإرادته والقدرة على صناعة مستقبله ، فكُن نِدّاً ، أيها الأخ الرئيس .

* عضو المجلس الأستشاري لحركة «فتح» .