آراء

الصين مثالا للقوى الناعمة والقضية الفلسطينية ومستقبل القيم

10 مشاهدة قراءة 12 دقيقة

الكاتب : تحسين يقين

الأقوياء الأخيار، معادلة صعبة التحقق لكنها ممكنة على مستوى الأفراد، والدول. وكل وذكرياته الشخصية عن سلوك الآخرين من الطيبة إلى التنمّر، في البيت والمدرسة والشارع، والمؤسسات، ولم يسلم رجال الدين من ذلك.
"دور الظالمين خراب"، مثل شعبيّ عميق، يمتد من محيط قرية صغيرة الى العلاقات الدولية؛ ولأن الحق يحتاج الى قوة وحلفاء خير، فإنه ليس أمامنا إلّا استعادة قوتنا، ووقتها سيكون بالإمكان إحداث أثر لدور القيم في عالم نخفّف فيه من فعل الأشرار.
على مرّ التاريخ، فإن التحدّيات التي تواجه البشر تتمحور في العلاقات، كونها مجال العدل، ومجال قياسه: من المحيط الصغير إلى الأكبر بالأكبر وهكذا، من الأسرة النووية الصغيرة، فالأسرة الممتدة، ثم ما يمتدّ ويتوسّع من علاقة تعلّم وعمل؛ فهي منظومة، يقودها الشعور والعرف والمبادئ والقوانين.
وهنا لعلنا نختار تحديين، هما منظومة المجتمع الواحد، والمنظومة الدولية. أما المجتمع الواحد، فمنذ القدم، وتأسيس التجمعات البشرية، وصولا لشكل الدولة، فإن هدف المنظومة تحقيق العدل والحماية. أما العلاقات الدولية، فإن استعراضها قديما وحديثا، سيوصلنا إلى معادلة مهمة: تحقيق المصالح المتبادلة، ولكن للتاريخ ما يقوله، ما بين عدالة تبادل المصالح، وبين الغبن من خلال منطق القوة. ودوما بعد الحروب، كان المرهقون منها يضعون مبادئ للعمل لتجنب وقوعها ثانية. وبالرغم من مبادي عصبة الأمم وخليفتها هيئة الأمم، فقد استمر الحروب لتحقيق مصلحة الطرف القويّ.
وعليه، فإن المجال هنا هو البحث في تاريخ وواقع الحضارات والدول المؤثرة القائمة اليوم، لبحث مدى الالتزام بالقيم، لتطبيقها عالميا، باتجاه الحقوق المشروعة. بالرغم من نسبية ذلك، فيمكننا البناء على ما هو نسبيّ من خير وعدل وسلام باتجاه التعميم. باختصار، يمكن للحضارات الإنسانية أن تتعاون؛ فإن ادّع حضارة معاصرة اليوم الإنسانية، فلتثبت ذلك في داخل بلادها وخارجها.
أعادتنا محاضرة سفير جمهورية الصين الشعبية لدى دولة فلسطين سون تشن عن السياسة الخارجية الصينية الناعمة في ظل المتغيرات الدولية– دراسة حالة فلسطين" التي استضافها متحف ياسر عرفات إلى محاولة تتبع تورات العلاقات الفلسطينية مع الصين الشعبية، منذ بدايات حركة فتح عام 1965، واحتضان بكين لمكتب لمنظمة التحرير الفلسطينية، حيث كانت الأولى عالميا بعد الشقيقة الجزائر التي نالت استقلالها فقط منذ 3 سنوات فقط، من جهة، وإلى كتاب د. علي الجرباوي: "المعرفة، الأيديولوجية والحضارة: محاولة لفهم التاريخ"، من جهة أخرى كما سيتلو.
ولعلنا نهتم أكثر بالعلاقات العربية الصينية، قديما وحديثا، فلم يكن اقتباس السفير تشن المقولة المشهورة: "اطلبوا العلم ولو في الصين" إلا تذكيرا لنا بعمق هذا التواصل القديم الذي قام على التعاون، فلم تنقطع إشارة السفير الى الحضارة الإسلامية عن نظرة هذه الدولة إلى عراقة حضارتنا.
منذ سنوات بعيدة استقرّت رؤية الصين لدورها العالمي، بشكل عام، وسياستها تجاه الفضية الفلسطينية، وبخاصة مع بدء المسار السياسي لحلها منذ مدريد عام 1991، وقبل ذلك منذ خروج الثورة الفلسطينية من لبنان عام 1982.
أصبحت الأسس التي تقوم عليها السياسة الخارجية الصينية تجاه مختلف دول العالم واضحة، تستند إلى مبادئ الأمن والاستقرار والسلام والتنمية والازدهار، والمساواة في السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وفقا للسفير تشن الذي قال أنها تنطلق من مبادرة السلام والتنمية التي أعلن عنها الزعيم الصيني شي جين بينغ، مؤكدا أن الصين تسعى من خلالها إلى الإسهام في تحقيق السلام والاستقرار والتنمية على المستوى الدولي.
بالنسبة لدولة عظمى كالصين، لها ما تختاره من سياسة خارجية تتّفق مع مصالحها العليا، خصوصا في سعيها لعلاقات متوازنة عالميا، ومع طرفيّ الصراع هنا في فلسطين المحتلة. وبالرغم من تفهّم هذه المنطلقات، إلا أنه من منطلقات الصين من قيم إنسانية، فإننا هنا فلسطينيا وعربيا نتطلع لدور أكبر، والذي يمكن تحقيقه من خلال تثبيت أعمدة العلاقات العربية والإسلامية مع الصين، كونها تشكّل مصلحة للصين، من خلال زيادة العلاقات الاقتصادية بشكل خاص، في وقت تحاول الولايات المتحدة "قص" أجنحة الصين، حتى لا تنطلق بعيدا محلّقة في تطورها من خلال العلاقات الدولية.
لذلك، وانطلاقا من وجود قيم مشتركة، فإننا نطمح لتفعيل هذه القوة الناعمة بما يمكن تحقيقه من تأثير على الأشرار، والضغط من أجل تحقيق تسوية عادلة؛ ففي ظل وجود العامل الذاتي في مناهضة الاحتلال، فإن وجود القوى الناعمة ومنها الصين، فإن النعومة تتحوّل الى قسوة على شرور الاحتلال.
يعيدني دوما الحديث عن الصين لما استخلصه د. علي الجرباوي في كتابه "المعرفة، الأيديولوجية والحضارة: محاولة لفهم التاريخ"، الذي صدر الكتاب عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت 2021؛ ففي استشرافه الغد، وما يمكن أن يجدّ فيه من حضارة عالمية كبرى، بشرط الاستناد الطبيعي لمقومات الحضور، فقد جعل الصين مرشّحة لهذا الدور، كذلك الحضارة الإسلامية.
فرصة الصين الكبرى بحكم مشروعها المستند للقوة والثقافة، وفرصتنا قائمة بعد لململمة تبعثرنا عربيا وإسلاميا، بشرط السيطرة على الموارد، واللجوء لمعاير العصر.
وهكذا فإن الصين الواحدة المتماسكة تتقدم؛ فإن لم تصبح البديل العالمي للحضارة الغربية، فإنها ستستمر في منافستها بقوة على المشهد الدولي الآن وغدا، في حين أن التشرذم العربي التابع، والمستلب، والمحكوم بسلفية ماضوية، سيظل منحدرا الى الوراء غير مستثمر لإمكانيات النهوض من جديد، فقد كنا يوما حضارة عالمية.
أقتبس من كتاب د. الجرباوي: "التاريخ خط زمني متصل لا ينقطع، تتولى تفاعلاته وأحداثه تباعا نتيجة هذه العلاقة المستمرة والمتواصلة، والتي يعبر عنها بتكوين ثقافات محلية، يتحول بعضها إلى حضارات عالمية، تتوالى هذه الحضارات في خط سير متصاعد عبر العصور، يدلل على مجرى تطور الحياة البشرية، ويعكس ظاهرة ازدياد علمنة وعولمة العالم مع مرور الزمن".
إذن فإن الوصول للعالمية يأتي تتويجا للنهوض القومي، ولكن ليس معنى ذلك أن ميلاد دولة عظمى في التاريخ، يعني ميلاد تأثير عادل وإيجابي في العلاقات الدولية.
قارن الجرباوي في كتابه "المعرفة، الأيديولوجية والحضارة: محاولة لفهم التاريخ" بين ثلاثة أنماط مختلفة، تأتي كردود فعل من قبل الثقافات على التحديات التي تفرضها عليها الحضارة الغربية. وهي: العربية التي سمّاها بـ "الانفصامية العربية" كونها كما يقول: "ارتضوا القبوع على الهامش واستهلاك ما ينتجه الآخرون ولا يعترفون في المقابل بالتفوق الغربي دون المواجهة"، (ص 21 و318). أما الثقافة اليابانية فإنها تعرضت لتحول جذري بعيد ضرب الولايات المتحدة لمدن يابانية بالسلاح النووي، واحتلال أميركي لليابان حتى العام 1952؛ ما حفّز اليابانيين على طيّ صفحة الماضي والانضواء والمشاركة في ركب الحضارة الغربية واستيعاب نماذجها، (ص 327)، دون منافستها، ولكن بمشاركة فاعلة. في حين أن الثقافة الصينية هي الوحيدة والقادرة على منافسة الحضارة الغربية والولايات المتحدة الأميركية. فهي تمتلك أيديولوجيا عالمية التوجّه، ولديها تاريخ مرير مع الاستعمار الذي عرف بـ "قرن الإذلال" (1839 – 1949). ما منحها الدافعية للمنافسة والصعود الدولي في أقل من سبعة عقود منذ تأسيس الصين الشعبية العام 1949. كما أن القيادة الصينية الحالية لديها استراتيجية ورؤية للواقع الدولي لتحقيق بلوغ "العصر الجديد"، الطامح لرؤية مغايرة عن "العهد الأميركي" ومنطلقاته الاستعلائية التنافسية، تقوم على التعاونية والأخلاق... (ص 331). فهي لديها مقدّرات وثقافة (الكونفوشية) وحوافز ورغبة وقدرة. وينبه الجرباوي إلى أن تحوّل الثقافة الصينية لتصبح حضارة عالمية تزيح الحضارة الغربية؛ أمر ذو شأن معقّد ويحتاج لوقتٍ أطول قد يصل لقرون.
إذن وفقا للدكتور جرباوي فالثقافة الصينية هي الوحيدة التي تمتلك المقومات الضرورية لتحدي الحضارة الغربية، وإنتاج حضارة بديلة تحل محلها، ولكن مع ذلك، "فإن العبرة التي يمكن الخروج بها هي أن جدلية العلاقة التي تربط الإنسان مع البيئة، والإنسان مع الإنسان، هي المحرك الأساس للتاريخ، الذي ينثال متدحرجا، بديمومة واستمرار".
وأخيرا، فإنه من خلال استعراض التاريخ، ستظل دوما هناك دول عظمى، محكومة بتوازن دوليّ، ولعلنا الآن دخلنا العالم متعدد الأقطاب فعلا، وليست مجموعة دول البريكس إلا مثالا على ذلك، والتي تطمح الدول المنتسبة لها أن تُدار العلاقات بينها على أساس عدم التدخل والمساواة والمنفعة المتبادلة.