محليات

تقرير: معاناة أم في غزة في البحث عن المياه تكشف عن أزمة صحية متفاقمة

75 مشاهدة
تقرير: معاناة أم في غزة في البحث عن المياه تكشف عن أزمة صحية متفاقمة
القاهرة/غزة -  (رويترز) - في جنح الظلام قبل الفجر، تغادر ابتسام الحلو خيمتها على الساحل في غزة لتبدأ رحلتها اليومية للبحث عن الماء العذب، وعلى الرغم من أنها على بعد خطوات قليلة من البحر ​المتوسط، فإن الماء الذي تحتاجه للطبخ والشرب والاستحمام يتطلب منها قطع مسافة طويلة عبر مدينة غزة.
وتنطلق ابتسام، وهي أم لثلاثة أطفال وعمرها 40 عاما، قبل أن ترتفع درجة الحرارة إلى 33 درجة ‌مئوية في منتصف النهار، وتشق طريقها عبر الأحياء المدمرة حيث تنتشر أنباء عن احتمال توفر المياه.
وقالت وهي تغسل أدوات المطبخ خارج الخيمة التي تعيش فيها أسرتها الآن "أنا ساكنة على شط البحر والمية هادي قليلة جدا قليلة جدا أنا صرت كل يوم بعاني".
وأضافت "لو بصل المينا بصل العمادي بنوصل أبو مازن (مناطق في مدينة غزة) واحنا ندور وين في مية لأنه بتجيناش هنا المية بالمرة، المية بتجيناش إلا كل ثلاثة أيام مرة".
تعكس معاناة هذه الأم واقعا أوسع نطاقا في أنحاء قطاع غزة.
وتحذر وكالات إغاثة ومسؤولون بالأمم المتحدة وسلطات الصحة الفلسطينية من أن قطاع غزة يواجه انهيارا غير ​مسبوق في أنظمة المياه والصرف الصحي، مما يترك الكثيرين من السكان عالقين بين العطش المستمر وأزمة بيئية أبعد مدى قد تستمر تداعياتها لعقود.
وتصطف العائلات لساعات بجانب شاحنات المياه المتهالكة للحصول على بضعة لترات من المياه، قبل ​العودة إلى مخيمات من الخيام المكتظة والمنكوبة بالأمراض.
وبسبب هذا النقص في الاحتياجات تغيرت حتى عادات الطفولة.
* الأطفال معرضون لخطر العدوى والأمراض عند السباحة في البحر
قبل الحرب كان أطفال ابتسام -التي ⁠تعتني بتسعة أطفال يقيمون معها- يغتسلون بالماء العذب ثلاث مرات يوميا في حرارة الصيف في غزة، أما الآن فإنهم يغتسلون مرة واحدة في الأسبوع إذا حالفهم الحظ.
ويلجأ العديد من الأطفال في القطاع إلى البحر للفرار من حرارة الجو، لكن ​ابتسام تقول إن هذا قد يكون له ثمن يأتي لاحقا.
وقالت "يوم ما يسبح ولادي في البحر بدي لكل واحد خمسين شيقل (17 دولارا للعلاج)، ليه، لأنه صاروا ولادي يتحسسوا من البحر، من حكة، طلع فيهم جرب، طلع فيهم حساسية".
وفي الوقت الذي تكابد فيه ​الأسر للحصول على ما يكفي من المياه اللازمة للحد الأدنى من النظافة الشخصية، يحذر مسؤولو الصحة من أن مياه الصرف الصحي غير المعالجة من مئات الآلاف من حفر الصرف الصحي تتسرب إلى طبقة المياه الجوفية الساحلية في غزة، وهي المصدر الطبيعي الوحيد للمياه العذبة في القطاع.
ويعود الأطفال المصابون بالإسهال والتهابات الجلد من العيادات إلى الخيام التي تفتقر إلى المياه النظيفة والصابون ومرافق الصرف الصحي. ويعتمد السكان بشكل متزايد على المياه المنقولة بالشاحنات وعلى الآبار المتضررة والمياه الجوفية غير المعالجة.
ووفقا لتقييمات من الأمم المتحدة، فإن أكثر من نصف سكان غزة، أي حوالي 1.3 ​مليون نسمة، لا يحصلون إلا على أقل من ستة لترات من مياه الشرب يوميا للفرد. ويستخدم السكان مياها مالحة غير صحية للاستحمام وغسل الملابس.
 
وتقول منظمة أطباء بلا حدود الخيرية الطبية إن بياناتها تشير إلى أن الوضع قد يكون أسوأ، ​إذ يحصل معظم السكان على 4.3 لتر من المياه للفرد يوميا في المتوسط. وقبل الحرب، كان متوسط استهلاك المياه اليومي حوالي 85 لترا للفرد.
* شاحنات المياه تكابد لقطع الطرق المليئة بالأنقاض
قال أليساندرو مراكيتش مدير مكتب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في غزة "لا يزال الناس يصطفون ‌وينتظرون وصول شاحنات ⁠توزيع المياه".
وأضاف في تصريحات لرويترز "إنها عملية صعبة ومعقدة للغاية نظرا للاضطرار للمرور عبر الأنقاض. يجب الوصول إلى السكان حيثما كانوا".
ومع ارتفاع درجات الحرارة، تتزايد المخاوف الصحية.
وقال أوزان أغباس مدير عمليات الطوارئ في (أطباء بلا حدود) في هولندا "عدم توفر المياه الكافية يؤثر بشكل مباشر على صحة الناس وقدرتهم على الحفاظ على الحد الأدنى من النظافة الشخصية".
وتقول أطباء بلا حدود إن التهابات الجهاز التنفسي الحادة تمثل 46 بالمئة من الحالات المرضية المسجلة في بيانات المراقبة لدى المنظمة، بينما تمثل الأمراض الجلدية 31 بالمئة والإسهال المائي الحاد 21 بالمئة.
ويشير المسؤولون الفلسطينيون إلى أن الأزمة تتجاوز بكثير مجرد نقص مياه الشرب، ويحذرون من أن كل يوم تمر فيه الأزمة دون حل يزيد من تفاقم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للمياه في غزة، وقد يترك عواقب تستمر لعقود.
قال ​سعيد العكلوك مسؤول مراقبة الصرف الصحي ومياه الصرف في وزارة ​الصحة بغزة إن القطاع كان به حوالي 320 بئرا ⁠قبل الحرب، لكن ما يعمل منها الآن أقل من 100 بئر. وأضاف أن حوالي 80 بالمئة من شبكة توزيع المياه ومعظم محطات التحلية تضررت أو دمرت جراء الهجمات الإسرائيلية.
ويؤكد الجيش الإسرائيلي أنه لا يتعمد مهاجمة هذه البنية التحتية الحيوية. وذكرت وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق، وهي هيئة تابعة للجيش الإسرائيلي مسؤولة عن الشؤون الإنسانية، في التاسع من يوليو تموز ​أنها تعمل مع وكالات دولية لمعالجة مشاكل الصرف الصحي والنظافة العامة وتحسين إمدادات المياه في القطاع.
* ضرورة إحياء شبكة المياه
أدى وقف إطلاق النار في أكتوبر تشرين الأول الذي ​توسطت فيه الولايات المتحدة إلى توقف ⁠القتال واسع النطاق لكنه لم يوقف هجمات إسرائيل التي تقول إنها تستهدف حماس ومسلحين آخرين في غزة يشكلون تهديدا وشيكا.
وبعد مرور شهور من وقف إطلاق النار، لا تزال شاحنات المياه تشكل شريان حياة للكثيرين، لكن منظمات الإغاثة تقول إنها لا تستطيع أن تحل مكان منظومة المياه العمومية.
ومع وصول الشاحنات، يصطف الأطفال والنساء والرجال لملء عبوات بلاستيكية يحملها البعض على ظهورهم أو أكتافهم. بينما ينقل آخرون الماء في عربات صغيرة يدوية الصنع.
ويستحم الكثيرون ممن يعيشون في الخيام على الساحل في مياه البحر، على الرغم من المخاوف ⁠واسعة النطاق من ​التلوث.
وبالنسبة لأولئك الذين يصابون بالعدوى، تقول وكالات الإغاثة إن الرعاية الطبية غير كافية.
وقال أغباس إن المرضى يعودون من العلاج إلى ملاجئ مكتظة يصعب فيها ​الحصول على المياه النظيفة والصابون والصرف الصحي، مما يشكل ظروفا لتكرار المرض وتجدد العدوى.
وذكر مسؤولو الصحة أنه تم رصد ما لا يقل عن خمسة آلاف حالة من الجدري المائي أسبوعيا خلال الشهر الماضي.
وفاقم انهيار أنظمة الصرف الصحي الأزمة. وقال العكلوك إن أكثر من 300 ألف "حفرة امتصاصية" تسرب مياه الصرف ​الصحي غير المعالجة في طبقة المياه الجوفية الساحلية في غزة، وهي المصدر الطبيعي الوحيد للمياه العذبة في القطاع.
وأضاف "اليوم، ولأول مرة، فقدنا فعليا السيطرة على مصادر المياه لدينا... هذا أسوأ وضع شهدته غزة على الإطلاق".