محليات

خوري : الدفاع عن الوجود المسيحي المتسهدف في فلسطين قضية إنسانية وأخلاقية وقانونية عالمية

9 مشاهدة
خوري : الدفاع عن الوجود المسيحي المتسهدف في فلسطين قضية إنسانية وأخلاقية وقانونية عالمية

رام الله -بيت لحم-القدس- تبذل اسرائيل قصارى جهدها لانهاء الوجود المسيحي في الاراضي الفلسطينية كون المسيحيين هم مكون اساس من مكونات الشعب الفلسطيني عبر التاريخ ، فالسيد المسيح ولد في فلسطين وعاش فيها وقضى على ثراها وبالتالي فإن وجودهم يعبر عن حالة نضالية متقدمة توارثها المسيحيون عن السيد المسيح له المجد . 

وفي مشهد يتكرر بوتيرة متسارعة، يتراجع الوجود المسيحي في الأرض المقدسة، مهد الديانة المسيحية، تحت وطأة سياسة استيطانية ممنهجة، تطال مدينة بيت لحم، عاصمة الميلاد، والقدس، مهد الديانات الثلاث، وذلك عبر سلسلة اجراءات اسرائيلية متعمدة . وكانت مصادر رسمية فلسطينية قد اكدت أن إسرائيل تواصل تدمير النسيج الديموغرافي والتاريخي للمسيحيين، عبر إقرار بناء وحدات استيطانية جديدة، وتضييق الخناق على مؤسسات الكنائس المسيحية في القدس وفرض الضرائب الباهظة عليها الى حد وصل الى اغلاق كنيسة القيامة ولكن بجهود متكاتفة تم الغاء القرار الاسرائيلي مؤخرا ، في ممارسات تُوصف بأنها "تطهير عرقي صامت" يهدف إلى اقتلاع المسيحيين من جذورهم التاريخية.

وقالت اللجنة الرئاسية العليا لمتابعة شؤون الكنائس في فلسطين، ان سلطات الاحتلال أقدمت على إقرار بناء وحدات استيطانية جديدة في محافظة بيت لحم، في إطار موجة استيطانية واسعة شملت الضفة الغربية، حيث تمت المصادقة على إقامة وشرعنة 34 مستوطنة جديدة في شهر نيسان الماضي، موزعة على مختلف المحافظات، وعلى رأسها بيت لحم والقدس والخليل.

ولم يقتصر استهداف الوجود المسيحي على التوسع الاستيطاني والضغوط الاقتصادية، بل امتد ليشمل البلدة القديمة في القدس، ولا سيما منطقة باب الخليل، وحي النصارى، والحي الأرمني، حيث تتصاعد محاولات التضييق على السكان والمؤسسات والكنائس، في إطار سياسات تهدف إلى إضعاف الوجود المسيحي التاريخي وتغيير الطابع الديموغرافي والثقافي للمدينة المقدسة. كما تتعرض الممتلكات الكنسية والمواطنون ورجال الدين لسلسلة متواصلة من الاعتداءات والاستفزازات، إلى جانب محاولات الاستيلاء على العقارات التاريخية المحيطة بباب الخليل، بما يشكل تهديداً مباشراً للإرث المسيحي في القدس.

كما تتواصل القيود المفروضة على حرية العبادة والوصول إلى الأماكن المقدسة، من خلال الحد من مشاركة المؤمنين في احتفالات سبت النور، وفرض قيود على وصول المصلين إلى كنيسة القيامة خلال الأعياد، الأمر الذي يحرم آلاف المسيحيين الفلسطينيين من ممارسة شعائرهم الدينية بحرية في أقدس مناسباتهم. وترافق ذلك مع استمرار العراقيل التي تواجه الفلسطينيين مسيحيين ومسلمين في الحصول على التصاريح اللازمة للوصول إلى القدس، بما يمس أحد الحقوق الأساسية المكفولة بموجب القانون الدولي، وهو حرية العبادة.

وفي السياق ذاته، تفرض السياسات الإسرائيلية قيوداً متزايدة على منح التأشيرات (الفيز) لرجال الدين والعاملين في المؤسسات الكنسية، إضافة إلى التعقيدات المرتبطة بإجراءات لمّ شمل العائلات الفلسطينية، وهو ما يؤدي إلى تقليص الوجود المسيحي في فلسطين ويحد من قدرة الكنائس على أداء رسالتها الروحية والإنسانية والتعليمية والاجتماعية. وتؤكد الكنائس أن هذه الإجراءات تسهم في دفع المزيد من العائلات المسيحية إلى الهجرة، بما يهدد استمرارية الوجود المسيحي التاريخي في الأرض المقدسة.

كما يشمل هذا الاستهداف الاعتداءات المتكررة على رجال الدين المسيحيين، وحوادث التدنيس والتخريب التي تطال الكنائس والمقابر والأديرة، إلى جانب الانتهاكات التي تستهدف المقدسات الإسلامية والمسيحية على حد سواء، وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك، في ظل تصاعد الاقتحامات والاعتداءات والإجراءات التي تمس الوضع التاريخي والقانوني للأماكن المقدسة في القدس، بما يشكل انتهاكاً لحرية العبادة وللقانون الدولي والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.

وفي تعقيب له على ذلك، وصف الدكتور رمزي خوري، رئيس اللجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس، هذه السياسات بأنها "حرب مفتوحة على الوجود المسيحي"، مؤكداً أن "بيت لحم، مدينة ميلاد السيد المسيح، أصبحت محاصرة بأكثر من 150 حاجزاً عسكرياً وبؤرة استيطانية، تُفقد المدينة هويتها العربية الفلسطينية وتقطع صلة أهلها بأرضهم".

وأضاف خوري، أن "الاستيطان في بيت لحم لم يعد مجرد توسع، بل أصبح سياسة متعمدة لتغيير المعالم الجغرافية والديموغرافية، بهدف فصل المدينة عن محيطها الفلسطيني، وعزلها عن القدس، مما يهدد بتحويل هذه المدينة التاريخية إلى جيب معزول، لا مكان فيه لأهلها المسيحيين الذين يمثلون جزءاً أصيلاً من نسيجها منذ ألفي عام".

وفي القدس، كشفت اللجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس عن تصعيد خطير في التضييق على البطريركية الأرثوذكسية وكافة الكنائس في القدس، من خلال فرض ضرائب جائرة وباهظة (الأرنونا) على ممتلكاتها وتشمل تجميد حسابات البطريركيات والحجز على اموال الكنائس، وسط إجراءات تُعتبر انتهاكاً صارخاً للوضع الراهن التاريخي والقانوني للكنائس في المدينة المقدسة.

وأشار خوري إلى أن "هذه الضرائب الجائرة، التي فُرضت بشكل مفاجئ، تأتي ضمن حملة موسعة تستهدف الكنائس، وتشمل أيضاً تجميد حسابات البطريركية، والحجز على ممتلكات الكنيسة الأرمنية، وهي إجراءات لا تهدف إلى تحصيل أموال، بل إلى إثقال كاهل المؤسسات المسيحية ودفعها إلى ترك القدس".

وأكد رئيس اللجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس أن "ما يجري هو استهداف ممنهج لقدرة الكنائس على الصمود في وجه سياسات الاحتلال، التي تهدف إلى تهويد القدس وتغيير هويتها العربية والمسيحية والإسلامية". وأضاف: "إننا نطالب المجتمع الدولي والكنائس في العالم بالتدخل العاجل لوقف هذه الانتهاكات الخطيرة التي تمس حرية العبادة والوجود المسيحي في أقدس مدن العالم".

وتستند مخاوف اللجنة الرئاسية إلى معطيات تاريخية وديموغرافية، تؤكد أن الوجود المسيحي في فلسطين التاريخية تعرض لانحسار كبير نتيجة الاحتلال. فقد أكدت اللجنة في بيانات سابقة أن المسيحيين شكلوا حوالي 12.5% من سكان فلسطين التاريخية قبل نكبة عام 1948، إلا أن نسبتهم اليوم لا تتجاوز 1.2%، في تراجع وصفت اللجنة أسبابه بأنها "نتيجة مباشرة للتطهير العرقي الإسرائيلي، والتهجير القسري، ومصادرة الأراضي، والقمع الممنهج".

وتشير التقارير إلى أن مدينة بيت لحم، التي كانت تشكل المسيحية غالبية ساحقة من سكانها، تشهد اليوم تراجعاً مستمراً في أعدادهم، بسبب ضغط الاستيطان والحواجز العسكرية التي تعزل المدينة، وتجعل الحياة فيها غير محتملة، مما يدفع العديد من العائلات المسيحية إلى الهجرة بحثاً عن مستقبل آمن لأبنائها.

وفي هذا السياق، دعا د.خوري المجتمع الدولي، وخصوصاً الكنائس العالمية ومجلس الأمن والأمم المتحدة، إلى تحمل مسؤولياتهم تجاه حماية الوجود المسيحي في فلسطين، ووقف "العدوان الاستيطاني" في القدس وبيت لحم. وشدد على أن "الدفاع عن الوجود المسيحي في فلسطين ليس شأناً محلياً فقط، بل هو قضية إنسانية وأخلاقية وقانونية عالمية".

وتأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه الضفة الغربية تصعيداً غير مسبوق في عمليات الاستيطان، إذ كشفت منظمة "السلام الآن" الإسرائيلية أن القرار الأخير بشرعنة 34 بؤرة استيطانية جديدة، من ضمنها بؤر في بيت لحم، هو الأكبر من نوعه منذ سنوات، ويأتي بهدف "خلق تواصل استيطاني جغرافي متكامل يربط بين المستوطنات، ويقسم الضفة الغربية إلى كانتونات معزولة، ويقضي على أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة".