محليات

عميره هاس: السلطة الفلسطينية بين جمع التبرعات والبحث عن حلول مبتكرة تضمن صمودها

75 مشاهدة
 عميره هاس: السلطة الفلسطينية بين جمع التبرعات والبحث عن حلول مبتكرة تضمن صمودها

 

واثق نيوز - عميرة هاس - هآرتس 20/7/2026 - في الأيام التي سبقت مؤتمر “مجموعة المانحين لفلسطين” الذي عقد في بروكسل الأسبوع الماضي، كان موظفو القطاع العام الفلسطيني يأملون حل مشكلة رواتبهم التي خفضت لسنوات. ولكن بعد المؤتمر على الفور، اضطر المتحدثون باسم السلطة الفلسطينية إلى خفض التوقعات بشكل حاد. فرغم التعهد بتقديم حوالي مليار دولار لإعادة إعمار البنى التحتية في غزة – وهو تبرع رحبت به السلطة – إلا أنه لا صلة له بالرواتب أو بميزانية الحكومة. أما المبلغ، الأقل بكثير، الذي وعدت به السلطة في المؤتمر، 41 مليون يورو، لا يكفي لتغطية دفع الرواتب المخفضة لشهر واحد: 550 – 600 مليون شيكل. ولم يتمكن المتحدثون حتى من إبلاغ الموظفين العامين بموعد دفع الرواتب القادمة. وقد دفع آخر راتب في 24 حزيران وغطى نصف راتب آذار الأصلي. يبلغ الحد الأدنى لراتب الموظفين العامين حالياً 2000 شيكل. يأتي هذا في مجتمع تباع فيه السلع الأساسية مثل الوقود والمياه والكهرباء بأسعار عالية تضاهي مثيلاتها في إسرائيل. وتزيد فيه تكلفة السفر بسبب نقاط تفتيش يفرضها الجيش الإسرائيلي والمستوطنون، في حين تعتبر ضريبة القيمة المضافة أقل بقليل مما هي في إسرائيل (16 في المئة مقابل 18 في المئة). يبقى الكثير من المكاتب الحكومية خالية في معظم أيام الأسبوع، والخدمات العامة محدودة. وبنصف الراتب، يواجه المسؤولون صعوبة في تمويل تنقلاتهم إلى العمل، لا سيما إذا كانوا يعيشون في قرية أو مدينة بعيدة.

رغم ذلك، قدم المتحدثون مؤتمر بروكسل كإنجاز. ويعود هذا جزئياً إلى مشاركة رئيس الوزراء محمد مصطفى في رئاسة الاجتماع مع مفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون الشرق الأوسط. ولكن التعريف الأنسب، حتى لو كان أقل إطراء، لمؤتمر المانحين، هو تجمع خيري. يضطر مصطفى ووزير المالية اسطيفان سلامة إلى القيام بذلك في إطار جهودهما اليومية لتأجيل انهيار تام لقطاعي الصحة والتعليم، وما يتبعه من انفجار اجتماعي. وهذه الجهود تشمل حلولاً مبتكرة كثيرة، كان آخرها تطبيق جديد ينظم في الوقت نفسه تسديد ديون موظفي القطاع العام وجباية الضرائب من الشركات.

لم يقدم مصطفى للمشاركين في المؤتمر أي جديد عندما قال إن أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخ السلطة الفلسطينية تنبع من تصميم إسرائيل على مصادرة جميع إيراداتها من الرسوم الجمركية وضرائب الاستيراد. ووفقاًلحسابات وزارة المالية الفلسطينية، تحتفظ إسرائيل حالياً بحوالي 18 مليار شيكل من إيرادات السلطة، أي تقريباً 6 أضعاف المبلغ الذي وعد به المؤتمر لقطاع غزة، ولا تغطي الضرائب المحلية إلا ثلث إيرادات السلطة الفلسطينية تقريباً، أي 250 مليون شيكل شهرياً.

تلتزم الدول الممثلة في المؤتمر رسمياً باتفاق أوسلو، لكنها تعرف تماماً أن إسرائيل تتنصل من بنوده وتخرقها علناً. مع ذلك، هم لا يرغبون، أو لا يقدرون، على استخدام ضغط فعال عليها، حتى لإعادة الأموال إلى الخزينة الفلسطينية. بإمكان هذه الدول ضمان وتخصيص أموال ضئيلة من أموال دافعي الضرائب لديها، بقدر أقل بكثير من الأموال التي تبتزها إسرائيل من دافعي الضرائب والجمارك الفلسطينيين. خصص الاتحاد الأوروبي 310 ملايين يورو للسنوات 2026 – 2027 لصندوق دعمه للسلطة، حتى قبل المؤتمر الأخير، لكن عملية التحويل تنطوي على إجراءات بيروقراطية معقدة.

إلى جانب التبرعات الخارجية، تضطر وزارة المالية الفلسطينية إلى مناشدة مورديها باستمرار، الذين تدين لهم بمبالغ طائلة، للتحلي بالصبر. وهي تسدد بعض ديونها لشركات تصنيع الأدوية والمستوردين كي تتمكن من استيراد المزيد من الأدوية الأساسية. تعتمد السلطة الفلسطينية على التبرعات الأوروبية للمستشفيات في شرقي القدس وفي الضفة الغربية كي تتمكن من مواصلة إرسال مرضى السرطان وغسيل الكلى لتلقي العلاج هناك. أيضاً تواجه تهديداً من موردي الوقود لقطع الإمدادات عن الأجهزة الأمنية الفلسطينية.

في الوقت نفسه، تبحث الوزارة عن طرق لتحصيل الديون المتراكمة من المجالس المحلية، حتى لو كان ذلك بواسطة شيكات مؤجلة تقدمها للبنوك في عملية مفاوضات مطولة، لضمان استمرارها في إقراضها مبالغ لتغطية نفقاتها الجارية. وبمساعدة شركة بريطانية، بتمويل من حكومة بريطانيا، تعمل السلطة الفلسطينية أيضاً على تعزيز وتحسين جباية الضرائب في الضفة الغربية لمعرفتها بوجود سوق سوداء وتهرب الكثيرين من الدفع. ويتمأيضاً فحص اقتراح لزيادة نسبة الضريبة على الشريحة الضريبية الثالثة، مع توقع معارضة شديدة من قطاع الأعمال.

في محاولة لتسديد بعض ديون السلطة الفلسطينية لموظفيها، تتعهد بدفع رواتبهم. وقد غطت وزارة النقل في هذه السنة رسوم ترخيص سيارات الموظفين العامين. كما تتعهد السلطة الفلسطينية، بحسب اتفاق خاص مع الجامعات، بتغطية نصف رسوم الدراسة لأبناء موظفي القطاع العام. وحسب متحدثين في الحكومة، فقد دفعت في الفصل الدراسي الماضي 49 مليون شيكل لـ 11 ألف طالب.

وقال المتحدث باسم الحكومة الفلسطينية، محمد أبو الرب: “وزارة المالية تعمل في حقل ألغام”، هذا صحيح؛ فقد أصبحت السلطة الفلسطينية أداة تقليدية، تكافح لجمع التبرعات وإجراء مناورات مالية معقدة بين البنوك والموردين والموظفين. ولكن مؤخراً ابتكرت وزارة المالية الفلسطينية أداة أكثر إبداعاً يتجسد في تطبيق مالي مصمم لحوالي 150 ألف موظف في القطاع العام، تدين لهم السلطة الفلسطينية بأكثر من 3 مليارات دولار.

يسمى هذا التطبيق “يبوس”، على اسم قديم لمدينة القدس، ويمكنه تغطية جزء من الرواتب الشهرية للموظفين، إلى جانب تغطية ديونهم لمقدمي الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والهواتف والإنترنت، ويتم خصم المبلغ من الضرائب التي تدفعها هذه الشركات للسلطة. يبلغ الحد الأقصى للمبلغ في حساب كل مستخدم 500 شيكل في الشهر، ويحق له استخدام جزء منه فقط وتجميع الفرق وإضافته إلى حساب الشهر التالي. يتم خصم هذه الدفعات من ديون الهيئة المتراكمة عن كل موظف حكومي. ويحق للمستخدمين تسديد دفعات وديون الآخرين. ويعتزم أيضاً إدراج المدفوعات للمجالس المحلية ضمن هذا النظام.

وحسب وزارة المالية الفلسطينية، فإن تجربة تطبيقها التي استمرت أسبوعين، انتهت بنجاح في الأسبوع الماضي، وشملت التجربة موظفين في أربع مؤسسات حكومية صغيرة نسبياً: وزارة شؤون القدس، مكتب محافظ القدس، الدفاع المدني وإدارة الجمارك. وأعلن مدير مشروع التطبيق، مراد عمر، أنه في نهاية تموز، سيتمكن كل موظفي القطاع العام من استخدامه. ويهدف القائمون على تشغيل التطبيق إلى إضافة المتقاعدين والموظفين بعقود مؤقتة في المستقبل.

ومن خلال المقابلات الصحفية مع عمر، والمتحدث الرسمي باسم الحكومة، وردود الفعل في الشبكات الاجتماعية والمحادثات الخاصة، ظهرت مخاوف بشأن إمكانية كشف الحسابات البنكية للجهات الحكومية واختراقها وإساءة استخدامها. ويخشى البعض من أنه في ظل غياب تشريعات مناسبة تنظم استخدام التطبيق، يبقى من غير المعروف إذا كانت السلطات ستسيئ استخدامه وكيف. ويرى آخرون بأن مستخدم التطبيق لا يتمتع بحرية اختيار نوع الخدمة المدفوعة. وتعود بعض هذه الادعاءات إلى نقص المعلومات حول تفاصيل التطبيق، أو إلى تقصير ممثلي الحكومة في نشرها وتوضيحها. وتؤكد الحكومة الحفاظ على الخصوصية وعدم وجود أي إلزام بالتسجيل أو الاستخدام، وأن ثلاث شركات متخصصة في الأمن السيبراني – إحداها دولية – تحققت من حماية التطبيق. وحسب إجراءات الأمان، يجب على المستخدم الاتصال من رقم هاتف فلسطيني، وأن يكون مزود خدمة الإنترنت فلسطينياً.

يظهر البعض تحفظه من التطبيق نظراً لاحتكار الشركات التي تعمل في قطاع الإنترنت وقطاع الهواتف المحمولة، المشمولة في الاتفاق والتي تحقق أرباحاً طائلة. وأشار مقال في صحيفة “الحدث” الاقتصادية الأسبوع الماضي، إلى أن النساء وكبار السن وسكان المناطق المهمشة أقل معرفة بهذه العمليات الرقمية، وأن هناك تخوفاً من أن يتم إجبار النساء اللواتي يستخدمن التطبيق على تحمل الجزء الأكبر من نفقات العائلة. وترتبط هذه التحفظات بشكل أكبر بالمشاكل الهيكلية الاجتماعية والاقتصادية التي لا تستطيع الحكومة حلها وحدها.

وتشير هذه التحفظات إلى عمق الشك وعدم الثقة بكل خطوة تتخذها الحكومة الفلسطينية. ويؤكد المتحدثون باسمها أن تطبيق “يبوس” يضمن عدم معاناة الناس من انقطاع الخدمات الأساسية التي لا أحد يستغني عنها. ويوصون بالنظر إلى “يبوس” على أنه أداة لدعم “الصمود” الذي أصبح صفة تميز الفلسطينيين على مدى سنوات الاحتلال الإسرائيلي.