محليات

 الجدري يتفشى في غزة وسط انهيار المنظومة الصحية

59 مشاهدة
 الجدري يتفشى في غزة وسط انهيار المنظومة الصحية

غزة-واثق نيوز-لم يعد الطفح الجلدي والحكة الشديدة وارتفاع الحرارة أعراضا فردية داخل مخيمات النزوح في قطاع غزة، بل باتت مشهدا يوميا يتكرر بين آلاف النازحين، لا سيّما الأطفال، مع التفشي السريع لفيروس جدري الماء في بيئة تفتقر إلى أدنى مقومات الصحة العامة جراء حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية، والحصار المتواصل الذي يشمل منع دخول الضروريات الطبية والإنسانية.

ففي الخيام المتلاصقة، حيث يعيش قرابة 2 مليون نازح هجرتهم الحرب الإسرائيلية، وسط حرارة الصيف المرتفعة وشح المياه النظيفة وتراكم النفايات، ينتشر الفيروس “كالنار في الهشيم”.

هذا الانتشار يأتي في ظل استحالة عزل المصابين، وتزامنا مع نقص الأدوية واللقاحات اللازمة للوقاية، ومع تدهور المنظومة الصحية بفعل حرب الإبادة الجماعية التي بدأتها إسرائيل في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

وكانت “مجموعة الصحة” التي تقودها منظمة الصحة العالمية قد أعلنت في 7 تموز/ يوليو الجاري، تسجيل نحو 9300 إصابة بجدري الماء خلال أسبوعين فقط داخل قطاع غزة، أبلغت عنها أكثر من 130 منشأة صحية.

وعزت المجموعة هذا الارتفاع الحاد إلى الاكتظاظ الشديد داخل مواقع النزوح، وتدهور خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة، إلى جانب تأثير ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف.

وأوضحت أن أكثر من نصف الحالات في محافظة خانيونس جنوبي القطاع، التي تضم في جزئها الغربي منطقة المواصي المكتظة بالنازحين والتي تنعدم فيها مقومات الحياة.

ويضم قطاع غزة، وفق المجموعة، نحو 1600 موقعا لإيواء النازحين، حيث جرى الإبلاغ عن انتشار واسع للقوارض والطفيليات الخارجية في 83 بالمئة من مواقع النزوح.

إصابة مع الولادة

وداخل إحدى خيام النزوح في خانيونس، تستعيد الفلسطينية فاطمة أبو شاب (22 عاما) الأيام الأولى بعد ولادة طفلتها، التي سرعان ما تحولت إلى معاناة مضاعفة.

وقالت: “نعيش في ظل شح شديد في المياه، ومع حرارة الصيف والقوارض والحشرات التي تهاجمنا يوميا، أصبتُ بجدري الماء بعد أن وضعت طفلتي التي لم يتجاوز عمرها أسبوعا”.

وأضافت أن العدوى لم تقف عندها، بل انتقلت إلى رضيعتها، كما أصابت ابنتها الثانية، وذلك بعد عودتها من المستشفى إلى خيمة النزوح.

وأوضحت ما تعيشه أسرتها قائلة: “المرض يسبب حكة شديدة نتيجة البثور والطفح الجلدي في مختلف أنحاء الجسم، وهذا مؤذ جدا، خصوصا لطفلتي الرضيعة التي لا تتوقف عن البكاء بسبب الألم”.

شح الأدوية

أما أسماء أحمد أبو غالي، جدة الطفلتين، فقالت إن الأسرة اضطرت إلى نقل الرضيعة إلى المستشفى بسبب تفاقم حالتها.

وأضافت قائلة: “لم تتحسن حالة الطفلة بسبب شح الأدوية والمستلزمات الطبية، فعدنا بها إلى الخيمة”.

ووصفت البيئة التي تعيش فيها العائلة بأنها: “خصبة للأمراض والأوبئة”، مضيفة: “نعيش تحت لهيب الشمس، وسط الاكتظاظ، وانتشار القمامة، وتسرب مياه الصرف الصحي، فيما تهاجمنا ليلا ونهارا الحشرات والقوارض”.

وتابعت: “لا نستطيع النوم بسبب البعوض، ولا نجد راحة نهارا… فالخيام المهترئة لا تقي من حرارة الشمس”.

وأفادت بأن المرض بدأ ينتشر بين الأطفال داخل الخيمة، مع مخاوف متزايدة من انتقاله إلى بقية أفراد الأسرة نتيجة الاحتكاك اليومي في مساحة ضيقة.

واختصرت المسنّة أبو غالي واقع آلاف العائلات النازحة بقولها: “نموت في اليوم مرات عديدة. فمن لم يمت بسبب القتل المباشر، يموت مرضا وقهرا بسبب الظروف الإنسانية التي نعيشها منذ قرابة 3 سنوات”.

وأضافت متسائلة: “إلى متى نبقى على هذا الحال؟ هذا الوضع لا يُطاق أبدا!”.

انتشار سريع

وأشار استشاري الأمراض الجلدية في مجمع ناصر الطبي بخانيونس، الطبيب عامر المصري، إلى خطورة المرض، قائلا إن مرض جدري الماء “بات ينتشر سريعا في قطاع غزة”.

وأضاف أنه من الأمراض الفيروسية شديدة العدوى التي يتسارع انتشارها بفعل الاكتظاظ والتجمعات الكبيرة للنازحين، إضافة إلى شح المياه.

وأوضح أن أكثر ما يزيد من سرعة انتقال العدوى هو “تعذر عزل المصابين، إذ يعيش معظم السكان داخل مخيمات نزوح مكتظة تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة الإنسانية”.

وبيّن أن المرض يظهر على شكل بثور منتشرة في الجلد والفم وفروة الرأس، ترافقها حمّى، مشيرا إلى أنه يصيب الأطفال وكبار السن وذوي المناعة الضعيفة أكثر من غيرهم.

وقال: “نستقبل يوميا عشرات الحالات المصابة بمرض جدري الماء في مختلف المراكز الصحية بقطاع غزة، والفيروس لا يزال في انتشار متزايد”.

وحذّر المصري من أن استمرار تفشي المرض في ظل انهيار القطاع الصحي قد يؤدي إلى مضاعفات لدى المرضى، تشمل التهابات جلدية ثانوية وتعفنا في الجلد، إضافة إلى التهابات في الأذن الوسطى والرئتين.

وقال عن تحديات العلاج “رغم أن جدري الماء يعد مرضا بسيطا ويمكن السيطرة عليه عادة من خلال العلاج المناسب، فإن تدهور النظام الصحي في غزة، والنقص الحاد في المعدات الطبية والأدوية، يقللان فرص احتواء الفيروس والحد من انتشاره”.

ويأتي هذا في ظل معاناة القطاع الصحي في غزة من انهيار جراء تداعيات حرب الإبادة الإسرائيلية، التي خلفت دمارا كبيرا بسبب استهداف المستشفيات والبنية التحتية الصحية، إلى جانب نقص حاد في الأدوية والوقود والمستلزمات الطبية جراء تنصل إسرائيل من التزاماتها التي نص عليها اتفاق وقف إطلاق النار، الساري منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2025.