الكاتب : سامي مشعشع
الظلام المروّع: حين تُدار الإبادة على أجساد المعتقلين الفلسطينيين .
تقرير مؤسسة الضمير حول الاعتداءات الجنسية القسرية: وحشية الجلاد وواجب كسر الصمت .
"اهلا بكم فى جهنم"!
في فعالية بمؤسسة القطان في رام الله أمس الاول، بكت المحامية الصلبة سحر فرنسيس وهي تطلق تقريراً صعباً، جارحاً وقاهراً بعنوان “الإبادة عبر الجسد”، يضم شهادات مروّعة لاعتداءات لا إنسانية وجنسية ضد معتقلينا. غالبتها دموعها وهى التي وثقت وزملاؤها أهوال ممارسات سلطات الاحتلال بحق المعتقلات والمعتقلين منذ السابع من اكتوبر 2023 والتي فاقت كل ما عايشته ورصدته خلال عملها المضني والذي امتد لثلاثة عقود.
وجلس إلى جانبها رجل بألف رجل، يسمو بفكره وثباته وقوة شكيمته، متحدثاً باسم آلاف المعتقلين، ومفصّلاً بجرأة تفاصيل الاعتداءات الجنسية والجسدية والنفسية الصعبة للغاية والتي تعرض لها خلال فترة اعتقاله، كغيره من الأسرى (وهو الذي عشية اعتقاله تبرع بكليته لابنه).
أخذنا، نحن الحضور، معه في رحلة لأتون الجحيم.
زوجته، التي وقفت معه وأدارت شؤون أطفالهما الستة، وشاركت معه قرار الخروج إلى العلن وكشف ما جرى، كانت في الصف الأمامي، شامخة كجبل، تشحنه بالقوة. حضورها لم يكن تفصيلاً، بل جزءاً من كسر الصمت عن موضوع ما زال كثيرون يتحسسون من الاقتراب منه. كان قرارهما المشترك واضحاً: رفع الغطاء عن ما يرتكبه الاحتلال في “باستيلاته” المعاصرة.
ليس ما يجري خلف أسوار مراكز الاحتجاز الإسرائيلية قابلاً للتلطيف اللغوي، ولا للاختباء خلف “حساسية الموضوع” أو ذريعة الصمت.نحن أمام منظومة احتلالية تُنتج الألم بوعي، وتستخدم الجسد الفلسطيني كساحة مباشرة للعقاب والتدمير.
ما وثقه تقرير مؤسسة الضمير لرعاية الأسرى "الإبادة عبر الجسد.. سياق الجرائم الجنسية بحق الأسرى والأسيرات في سجون الاحتلال"، وهي دراسة أجرتها المؤسسة معتمدة على شهادات ٣٧ حالة وثقتها من غزة والضفة، لا يترك مجالاً للالتباس: العنف الجنسي ليس انحرافاً، بل أداة. ليس تجاوزاً، بل سياسة ممنهجة للكسر. وعندما تتقاطع هذه الخلاصات مع ما عرضه تقريري مؤسسة بتسيلم ( "اهلا بكم فى جهنم" و "جهنم على الأرض") وتقرير المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان ( "إبادة جماعية اخرى خلف الجدران")، ، تتشكل صورة لا يمكن إنكارها: بنية كاملة تُدار داخل مساحات من “الظلام المروّع”، حيث تحدث الجريمة بلا شهود وبلا محاسبة.
هذا “الظلام” ليس عرضاً جانبياً خلال الاعتقال بل أمسى منهجه. يُمنع الصليب الأحمر، تُقيَّد زيارات المحامين، تُحجب الأسماء، وتُقطع الصلة بالعالم. في هذا الفراغ، يتحول الجسد إلى مادة مفتوحة لكل أشكال الانتهاك: تجويع. حرمان من كل شيء، كل شيء، تعرية قسرية كاملة لساعات وأيام، إبقاء المعتقلين عراة في البرد، ضرب ممنهج على الأعضاء التناسلية، اعتداءات مباشرة، وإيلاج قسري باستخدام أدوات صلبة. شهادات متعددة تصف اغتصاباً متكرراً، أحياناً أمام معتقلين آخرين، وأحياناً بحضور جماعي من الجنود والمجندات الذين يصوّرون الاعتداءات السادية. وهناك حالات موثقة لاستخدام كلاب مدرّبة في اعتداءات جنسية، وصعق كهربائي موجّه للأعضاء الحساسة، وتمزيقات جسدية خلّفت إعاقات دائمة. اهانات متواصلة. مسبات. وصولا للقتل حيث تم توثيق عشرات الحالات منذ السابع من اكتوبر.
الغاية واضحة: تحطيم الإنسان من داخله. العنف الجنسي هنا ليس محاولة للإذلال الفردي فحسب، بل رسالة جماعية تستهدف الكرامة والهوية والعلاقة مع المجتمع والوطن والقضية. الرهان مزدوج: ترويع الأسرى بممارسات بلغت مستوى غير مسبوق من الهمجية بعد السابع من أكتوبر، وكسر الروح والإرادة وفرض الصمت، بحيث ينكفئ الأسير أو الأسيرة بعد التحرر إلى ظلٍّ من ذواتهم. ونعم، هذه الانتهاكات تطال المعتقلين من الرجال والنساء والأطفال على حد سواء. البشاعة مضاعفة: الجريمة لا تنتهي عند وقوعها، بل تستمر عبر الصمت الذي تُنتجه. ولهذا كان خروج هذا الأسير الشجاع وغيره إلى العلن للتحدث ، الشرح، الادانة وللمطالبة بتسليط الضوء والحراك فعلاً مقاوماً بحد ذاته.
ورقة الضمير كشفت أيضاً البنية التي تحمي هذه الجرائم. ليس الجنود وحدهم. هناك منظومة أوسع. حين يصدر طبيب السجن شهادة “لياقة للتحقيق” لمعتقل يتعرض للتعذيب، أو تُخفى آثار الإصابات من السجلات، يصبح الطب جزءاً من الجريمة. حين يفشل القضاء في فتح مسارات محاسبة حقيقية، أو يعيد توصيف الانتهاكات لتخفيف وطأتها، يصبح القضاء غطاءً (وهو دوما يوظف كغطاء).
الأخطر أن الحديث عن هذه الجرائم ما زال محاصراً والاغرب، انه مستهجناً عند البعض. العنف الجنسي يُعامل كـ”تابو”، كموضوع يُهمس به أو يُتجنب. وهذا بالضبط ما يريده مرتكبوه. الصمت هنا ليس حياداً، بل امتداد للجريمة. كسر هذا الحاجز ليس خياراً، بل واجب: هناك اغتصاب. هناك تعذيب جنسي ممنهج. هناك استخدام متعمد للجسد كأداة للإبادة النفسية والجسدية.
ويترافق كل ذلك مع مأساة موجعة من صنع أيدينا كفلسطينيين: صمت مدوٍّ، انكفاء عن دعم الأسرى وقضاياهم، وخذلان لأسرهم. تزامن هذا مع هجمة ممنهجة استهدفت مؤسسات فاعلة في هذا المجال، تم إغلاقها وإخراجها عن القانون، ومع تكلّس في أداء ما تبقّى من مؤسسات.
بعد كل هذا، لا يكفي الغضب ولا الحوقلة. المطلوب تحويل المعرفة إلى فعل.
المطلوب: نشر تقرير الضمير على أوسع نطاق، وان يتقدم الفلسطينيون فى شتى بقاع الأرض بترجمته إلى اللغات الرئيسة وتعميمه، وتحويل خلاصاته إلى مواد إعلامية قابلة للتداول - - من مقالات رأي إلى تحقيقات وأفلام قصيرة توثق الشهادات دون تعريض الضحايا للخطر. يجب وضع هذا الملف على طاولات صناع القرار عبر إحاطات مباشرة للبرلمانيين، وربطه بمطالب محددة لا تقبل التأجيل. كما أن هناك حاجة إلى تحريك منظمات حقوق الإنسان لتبني الملف كحملة مستمرة، والمطالبة بوصول فوري إلى مراكز الاحتجاز، وتوثيق مستقل، وآليات رقابة حقيقية. ويمكن الدفع نحو تشكيل لجان تحقيق دولية متخصصة، وربط ذلك بمسارات المساءلة أمام المحاكم الدولية، بما فيها المحكمة الجنائية الدولية، إلى جانب بناء تحالفات مع نقابات الأطباء والهيئات القانونية لفضح أي تواطؤ مهني.
التحرك لا يجب أن يتوقف هنا. يجب ان يترافق مع حملات ضغط شعبية، عرائض دولية، فعاليات إعلامية مركزة، وتفعيل منابر الجامعات ومراكز الأبحاث لإبقاء القضية حية.
حين يُنتهك الجسد بهذا الشكل، ويُوثَّق ذلك بهذا الوضوح، ثم يُترك بلا مساءلة، فإن الصمت لا يعود تقصيراً، بل شراكة.
* ملاحظة : للاطلاع على التقرير الذهاب لصفحة مؤسسة الضمير.



