تفكيك منظومة الاعتقال: الأسرى الفلسطينيون بين بنية السيطرة الاستعمارية ومنظومة قمع ممنهجة تتحدى القانون الدولي
مقدمة
يشدد مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية "شمس" على أن قضية الأسرى الفلسطينيين لم تعد مجرد ملف حقوقي تقليدي يمكن تناوله في إطار الانتهاكات الفردية أو الحالات المعزولة، بل تحولت إلى ملف يعكس طبيعة منظومة السيطرة القائمة على الشعب الفلسطيني، ويكشف في الوقت ذاته عن حدود فاعلية القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان في سياقات الاحتلال. ومن هذا المنطلق، يُصدر المركز هذه الورقة بمناسبة اليوم الوطني للأسير الفلسطيني الذي يصادف في 17/4/ من كل عام.
ينطلق مركز "شمس" في هذه الورقة من قناعة راسخة بأن حماية الأسرى الفلسطينيين ليست مسألة تضامن إنساني فقط، بل هي التزام قانوني دولي واضح، تفرضه قواعد القانون الدولي الإنساني، لا سيما اتفاقيات جنيف، وكذلك مبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان. إلا أن ما يجري على أرض الواقع يشير إلى فجوة عميقة بين النص القانوني والتطبيق العملي، حيث يتم التعامل مع الأسرى خارج منظومة الحماية المفترضة، في انتهاك مستمر وممنهج لتلك القواعد.
ويرى المركز أن خطورة المرحلة الراهنة لا تكمن فقط في استمرار الانتهاكات،بل في التحولات النوعية التي طرأت على الإطار القانوني والسياسي الناظم لهذه القضية،وعلى رأسها التشريعات ذات الطابع الانتقامي،مثل قانون إعدام الأسرى،الهادف إلى تقويض الحقوق الأساسية للفلسطينيين.
كما يؤكد مركز "شمس" أن ما يتعرض له الأسرى داخل السجون، من تعذيب، وإهمال طبي، وحرمان من الحقوق الأساسية، لا يمكن اعتباره مجرد تجاوزات أو ممارسات فردية، بل يعكس نمطاً ممنهجاً من المعاملة التي تمس جوهر الكرامة الإنسانية. وهو ما يثير تساؤلات جدية حول مدى التزام دولة الاحتلال القوة القائمة بالاحتلال بواجباتها القانونية.
وفي هذا السياق، تأتي هذه الورقة، لتقدم تحليلاً معمقاً لعدة محاور رئيسة، تشمل الإطار القانوني الدولي الناظم لقضية الأسرى، والتشريعات الجديدة ذات الطابع العقابي، والأوضاع الإنسانية داخل السجون، إضافة إلى واقع الأسرى المرضى. ولا تهدف هذه الورقة إلى إعادة عرض الوقائع فحسب، بل إلى تقديم قراءة نقدية تسلط الضوء على البنية الكامنة خلف هذه الانتهاكات، وتدعو إلى إعادة الاعتبار لمفهوم العدالة كقيمة إنسانية وقانونية غير قابلة للتجزئة.
أولاً: الأسرى في ضوء اتفاقيتي جنيف الثالثة والرابعة ..
عندما نتحدث عن الأسرى الفلسطينيين، فإننا لا نتحدث عن حالة خارج إطار القانون الدولي، بل عن حالة مشمولة بوضوح ضمن منظومة الحماية الدولية، وتحديداً في اتفاقيتي جنيف الثالثة والرابعة،بهدف ضمان الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية حتى في أكثر الظروف قسوة،أي في حالات الحرب والاحتلال.
اتفاقية جنيف الثالثة وضعت إطاراً واضحاً للتعامل مع أسرى الحرب،حيث أكدت في المادة (13) على ضرورة معاملة أسرى الحرب معاملة إنسانية في جميع الأوقات،وحظرت تعريضهم لأي أعمال عنف أو تخويف أو إهانة، كما شددت المادة (14) على احترام أشخاصهم وشرفهم، فيما نصت المادة (17)على حظر التعذيب أو أي شكل من أشكال الإكراه لانتزاع المعلومات.أما اتفاقية جنيف الرابعة، الذي تعنى بحماية المدنيين الواقعين تحت الاحتلال، حيث أكدت المادة (27)على وجوب احترام الأشخاص المحميين وصون كرامتهم، وحظرت المادة(32)جميع التدابير التي من شأنها أن تسبب معاناة بدنية أو إبادة،بما في ذلك التعذيب،كما نصت المادة (33)بشكل صريح على حظر العقوبات الجماعية وأعمال الانتقام، وأكدت المادة (76) على الضمانات الخاصة بالمعتقلين داخل الأراضي المحتلة، بما في ذلك ظروف الاحتجاز والمحاكمة العادلة.
لكن الإشكالية في الحالة الفلسطينية لا تكمن في غياب النصوص القانونية، بل في تجاهلها المتعمد. فالأسرى الفلسطينيون، يُعاملون خارج هذا الإطار القانوني،فلا يتم الاعتراف بهم كأسرى حرب وفقاً لاتفاقية جنيف الثالثة، ولا يُمنحون الحماية الكاملة كمدنيين واقعين تحت الاحتلال وفقاً لاتفاقية جنيف الرابعة، لكنها في الواقع مساحة مفتوحة لانتهاكات متعددة وممنهجة.
الأخطر من ذلك أن الاحتلال الإسرائيلي يتعامل مع هذه الاتفاقيات وكأنها لا تعنيه، وليس كقواعد قانونية ملزمة. وهذا يقودنا إلى تساؤل جوهري يتجاوز الحالة الفلسطينية، هل تكمن المشكلة في قصور القانون الدولي نفسه، أم في غياب الإرادة الدولية لتطبيقه وإنفاذه؟ في الواقع، ما نشهده في الحالة الفلسطينية يؤكد بأن المشكلة ليست في النصوص، بل في الانتقائية في تطبيقها.
ثانياً: الأسرى في ضوء نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ..
وفقاً لأحكام نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، فإن الممارسات المرتكبة ضد الأسرى يمكن أن ترقى إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب بحسب طبيعتها وسياقها. فبموجب المادة (7)، يُعد السجن أو الحرمان الشديد من الحرية البدنية بالمخالفة للقواعد الأساسية للقانون الدولي، وكذلك التعذيب المتعمد الذي يسبب آلاماً أو معاناة شديدة بدنية أو نفسية، من الجرائم ضد الإنسانية متى ارتكبت في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي ضد السكان المدنيين، وعن علم بهذا الهجوم. وعليه، فإن احتجاز الأسرى في ظروف غير قانونية، أو إخضاعهم للتعذيب أو المعاملة اللاإنسانية بشكل منهجي، يدخل ضمن هذا التصنيف الخطير. وفي الوقت ذاته، تنص المادة (8) من النظام الأساسي على أن هذه الأفعال نفسها قد تشكل جرائم حرب ، ولا سيما إذا تمثلت في انتهاكات جسيمة لاتفاقيات جنيف لعام 1949، مثل تعمد حرمان الأسرى من حقهم في محاكمة عادلة ونظامية. وبذلك، فإن أي ممارسات تنتهك حقوق الأسرى الأساسية، سواء عبر التعذيب أو الاحتجاز التعسفي أو إنكار الضمانات القضائية، تندرج ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بوصفها جرائم دولية تستوجب المساءلة الجنائية الفردية.
ثالثاً: قانون إعدام الأسرى – منطق الانتقام ..
القانون المتعلق بإعدام الأسرى الفلسطينيين لا يمكن فهمه كتشريع قانوني عادي، بل يجب قراءته كتحول خطير في طبيعة النظام القانوني نفسه، حيث لم يعد القانون أداة لتنظيم العدالة،بل وسيلة لإنتاجها بشكل انتقائي يخدم سياقات سياسية وأمنية إسرائيلية محددة.
قانون عنصري يستهدف الفلسطينيين ..تحديداً، وهو ما يجعله قانوناً تمييزياً بامتياز، يتعارض مع أبسط مبادئ العدالة والمساواة أمام القانون. فهو لا يعكس منظومة جنائية محايدة، بل يمثل أداة سياسية تُلبس ثوب القانون، ويؤسس لمنطق يقوم على الانتقام بدل العدالة، وعلى العقاب السياسي. في هذا السياق، يصبح القانون جزءًا من بنية السيطرة الاستعمارية.
لقد جاء هذا القانون في إطار مزايدات سياسية وانتخابية واضحة،حيث تم توظيف قضية الأسرى كأداة لكسب التأييد الشعبي. إن تمرير قانون بهذه الخطورة في بيئة مشحونة بالشعبوية يعكس كيف يمكن أن تتحول حياة الإنسان الفلسطيني إلى مادة في الخطاب الانتخابي، يستخدم لتحقيق مكاسب سياسية على حساب المبادئ القانونية والإنسانية.
إن خطورة قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين لا تكمن فقط في كونه تشريعاً عقابياً، بل في كونه تحولاً جذرياً ليصبح القانون كأداة ووسيلة للقتل الممنهج خارج الضمانات القانونية.فهذا القانون يقر عقوبة الإعدام شنقاً كأداة قتل رسمية داخل السجون، ويمنح حصانة مطلقة للمنفذين من أي مساءلة قانونية، في ظل غياب كامل لضمانات المحاكمة العادلة التي تشكل جوهر العدالة. كما يخضع الأسرى لمحاكمات أمام قضاة عسكريين بدلاً من قضاء مدني مستقل، ويحول السجّان إلى قاضٍ وجلاد في آن واحد، مع حرمان المحكوم من حق الاستئناف أو تخفيف الحكم، بل وإمكانية إصدار حكم الإعدام دون طلب من النيابة العامة، واتخاذ القرار بالأغلبية وليس بالإجماع. ويزداد هذا الخطر مع تسريع تنفيذ الحكم خلال مدة قصيرة لا تتجاوز (90) يوماً، وفرض العزل الانفرادي التام قبل التنفيذ، ومنع الزيارات والتواصل الإنساني مع المحكومين، وتقييد تواصلهم مع محاميهم عبر وسائل غير مباشرة، إضافة إلى إنشاء مراكز احتجاز خاصة معزولة للمحكومين بالإعدام. والأخطر من ذلك كله أن هذا القانون يطبق حصراً على الفلسطينيين دون الإسرائيليين، ما يجعله قانوناً تمييزياً عنصرياً بامتياز، يكرس منطق الانتقام،ويقوض بشكل خطير أسس القانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان.
هذا القانون العنصري هو جزء من الحرب المفتوحة التي تشنها دولة الاحتلال الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، فهو ليس إجراءًا قانونياً، بل جزء من منظومة أوسع من السياسات التي تشمل القتل والاعتقال والحصار. في هذا الإطار، يتحول القانون إلى أداة من أدوات الحرب، تُستخدم لتعزيز السيطرة وإعادة تشكيل الواقع السياسي والإنساني، بدل أن يكون وسيلة لحماية الحقوق.
رابعاً: الأسرى الفلسطينيون ليسوا أرقاماً… بل حكايات إنسانية خلف القضبان ..
ليست الأرقام وحدها قادرة على نقل حقيقة ما يجري داخل سجون الاحتلال، فخلف كل رقم إنسان، وخلف كل حالة اعتقال قصة حياة جرى اقتلاعها من سياقها الطبيعي. أكثر من (9600) أسير وأسيرة فلسطيني ليسوا مجرد إحصاءات، بل أفراد حرموا من حريتهم وكرامتهم في إطار منظومة احتجاز ممنهجة تتقاطع فيها سياسات الاعتقال التعسفي والاحتجاز الإداري، مع حرمان منهجي من الحقوق الأساسية التي يكفلها القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان.
إن هذا التصاعد غير المسبوق في أعداد المعتقلين، بمن فيهم الأطفال والنساء والمرضى، لا يمكن قراءته كوقائع منفصلة أو حالات فردية،بل يعكس نمطاً بنيوياً من الانتهاكات.فالأطفال المحتجزون بعيداً عن عائلاتهم،والنساء اللواتي يواجهن ظروف احتجاز قاسية، والمرضى المحرومون من العلاج،يشكّلون جميعاً وجوهاً متعددة لمعاناة إنسانية مستمرة، تتجاوز بعدها الفردي لتصبح قضية جماعية ملحّة تستوجب تحركاً عاجلاً يضمن الحماية والمساءلة وإنصاف الضحايا.
وحسب توثيق المركز والإحصاءات التي حصلنا عليها من هيئة شؤون الأسرى والمحررين،ونادي الأسير الفلسطيني فقد،بلغ إجمالي عدد الأسرى الفلسطينيين والعرب في سجون الاحتلال حتى بداية نيسان 2026، أكثر من (9600) أسير وأسيرة.
فقد بلغ عدد الأسيرات (86) أسيرة، منهن أسيرتان معتقلات منذ ما قبل جريمة الإبادة الجماعية، ومن بين الأسيرات (25) أسيرة معتقلة إدارياً. أما الأسرى الأطفال ممن تقل أعمارهم عن (18 عاماً) فقد بلغ عددهم نحو (350) طفلاً موزعون على سجني (عوفر، ومجدو)، مع الإشارة إلى وجود طفلتين في سجن (الدامون). كما وتجدر الإشارة إلى أنه وحتى نهاية 2025 بلغ عدد الأطفال المعتقلين إدارياً (180).
أما المعتقلون الإداريون فقد ارتفع عددهم في سجون الاحتلال الإسرائيلي في أعقاب جريمة الإبادة الجماعية، بوتيرة غير مسبوقة تاريخياً، حتى وصل عددهم إلى أكثر من (3532) معتقلاً إدارياً حتى نيسان 2026 من بينهم نساء وأطفال، وغالبية المعتقلين الإداريين هم أسرى سابقون أمضوا سنوات في سجون الاحتلال الإسرائيلي،بالإضافة إلى فئات أخرى شملت، طلبة مدارس وجامعات، وصحفيين،وحقوقيين،ومحامين، ومهندسين،وأطباء، وأكاديميين، ونواب، ونشطاء، وعمال، وأقارب من الدرجة الأولى لشهداء وأسرى في سجون الاحتلال، منهم شقيقات شهداء وزوجات أسرى.
كما بلغ عدد المعتقلين الذين صنفهم الاحتلال (بالمقاتلين غير الشرعيين) وفقاً لمعطى إدارة السجون، (1251) أسيراً حتى اليوم،ولا يشمل من هم موجودون في المعسكرات التابعة لجيش الاحتلال.
كما تصاعدت أعداد الأسرى المرضى في سجون الاحتلال الإسرائيلي في أعقاب جريمة الإبادة الجماعية، فالغالبية العظمى من الأسرى هم مرضى إما بفعل أمراض اعتقلوا وهم مصابون بها، وإما جرحى، أو أسرى أصيبوا بأمراض خطيرة نتيجة سياسة جريمة الإبادة التي فرضت ظروف قمعية وصعبة على الأسرى ، وأعدادهم في تصاعد مستمر مع استمرار واقع سياسات التعذيب، والجرائم الطبية ومنها الحرمان من العلاج.
أما الأسرى الشهداء يبلغ عدد الأسرى الشهداء منذ عام 1967 (326) شهيداً، من بينهم (89) استشهدوا بعد السابع من أكتوبر2023، وهؤلاء هم المعلومة هوياتهم فحسب، فيما لا يزال عشرات المعتقلين الشهداء من غزة رهن الإخفاء القسري. أما الشهداء الأسرى المحتجزة جثامينهم يبلغ عددهم قبل وبعد جريمة الإبادة الجماعية، (97) جثماناً.
خامساً: الأوضاع الإنسانية داخل السجون – تفكيك منظومة الإذلال
ما يجري داخل السجون لا يمكن اختزاله في كونه "ظروفاً صعبة"، بل هو نظام متكامل من الإخضاع والسيطرة، تُستخدم فيه أدوات متعددة لإضعاف الأسرى جسدياً ونفسياً، وتحويل حياتهم اليومية إلى تجربة مستمرة من الضغط والانتهاك.فلم يعد التعذيب استثناءً أو حالة فردية، بل أصبح جزءًا من منظومة التعامل مع الأسرى، يتخذ أشكالاً متعددة تشمل التعذيب الجسدي، والضغط النفسي، والحرمان من النوم، والعزل. بهدف كسر الأسرى من الداخل.
الاقتحامات اليومية المتكررة للأقسام وغرف الأسرى تخلق حالة دائمة من القلق وعدم الاستقرار، وتُستخدم كوسيلة لإشعار الأسرى بانعدام الأمان. هذه الاقتحامات ليست مجرد إجراءات أمنية، بل تمثل أداة ضغط نفسي مستمرة، تُبقي الأسرى في حالة استنزاف دائم.
كما تعكس نوعية الطعام وكميته مستوى متدنياً من المعاملة، حيث يعاني الأسرى من نقص في الكمية، ورداءة في الجودة، وغياب الحد الأدنى من المعايير الغذائية. هذا الواقع لا يؤثر فقط على شعورهم اليومي، بل ينعكس بشكل مباشر على صحتهم الجسدية وقدرتهم على التحمل.
الاكتظاظ داخل الغرف والأقسام يمثل أحد أبرز مظاهر الانتهاك الصامت، حيث يحد من حرية الحركة، ويزيد من التوتر، ويحول الحياة اليومية إلى حالة من الاختناق المستمر ويساهم في انتشار الأمراض. وحرمان الأسرى من الملابس الشتوية ، خاصة في ظل الظروف المناخية القاسية، لا يمكن اعتباره مجرد إهمال، بل هو شكل من أشكال العقاب الجماعي، يُستخدم لزيادة المعاناة الجسدية، وإشعار الأسرى بالعجز أمام احتياجاتهم الأساسية.
ومنذ السابع من أكتوبر 2023 هناك انقطاع في زيارات الأهالي ، حيث يمثل ذلك ضربة قاسية للجانب الإنساني للأسرى، الأمر الذي يؤدي إلى تعميق العزلة، وقطع الروابط العائلية، وزيادة المعاناة النفسية. فالأسير هنا لا يحرم فقط من حريته، بل يحرم أيضاً من حقه في التواصل مع أحبائه، وهو حق أساسي في أي نظام احتجاز إنساني.
وما يزيد الأمور تعقيداً انتشار الأمراض الجلدية بسبب الاكتظاظ وضعف النظافة وقلة الرعاية الصحية، دون توفير العلاج. هذه الظاهرة تعكس خللاً بنيوياً في ظروف الاحتجاز.
هذا إلى جانب الإهانات اللفظية والشتائم ، التي لا تعد سلوكاً فردياً فحسب، بل جزء من منظومة التعامل مع الأسرى، تُستخدم للنيل من كرامتهم الإنسانية وتقويض إحساسهم بالذات. هذا النوع من المعاملة يترك أثراً نفسياً عميقاً، لأنه يستهدف جوهر الإنسان، وليس فقط ظروفه المادية.
سادساً: الحالات المرضية – المعاناة المضاعفة ..
الأسرى المرضى يعيشون حالة أكثر تعقيداً وقسوة، إذ لا يبقى المرض داخل السجن مجرد وضع صحي، بل يتحول إلى عبء إضافي يضاعف المعاناة، وكأنه عقوبة أخرى تُضاف خاصة في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من الرعاية الطبية، حيث يصبح الألم والخوف جزءاً من الحياة اليومية في ظل غياب ضمانات العلاج المناسب. ولا تقتصر المشكلة على وجود المرض بحد ذاته، بل تمتد إلى آليات التعامل معه، إذ غالباً ما يتم تأخير التشخيص بما يؤدي إلى تفاقم الحالات وتحول أمراض قابلة للعلاج إلى أمراض مزمنة أو خطيرة، إضافة إلى الإهمال المتكرر في تقديم العلاج، سواء من خلال التأخر في توفير الأدوية أو الاكتفاء بعلاجات سطحية لا تعالج أصل المشكلة.
في كثير من الحالات، يتحول المرض إلى أداة ضمن منظومة السيطرة، حيث يتم استخدام التأخير في العلاج أو الإهمال الطبي كوسيلة للضغط النفسي والجسدي على الأسرى. وهنا لا يعود الحديث فقط عن تقصير إداري، بل عن سياسة لها آثار مباشرة على حياة الإنسان وكرامته.
وهذا الواقع يطرح سؤالاً أخلاقياً عميقاً قبل أن يكون قانونياً، هل يمكن اعتبار الإهمال الطبي شكلاً من أشكال التعذيب؟ بالنسبة للعديد من الأسرى، الإجابة ليست نظرية، بل تجربة معيشة، حيث يصبح الألم المستمر وغياب العلاج جزءًا من يومياتهم، بما يحول المرض إلى أداة معاناة ممنهجة، تمس جوهر الحق في الحياة والكرامة الإنسانية.
سابعاً : التوصيات
في ضوء ما ورد في هذه الورقة،يوصي مركز "شمس" بمجموعة من التوصيات الموجهة إلى مختلف أصحاب العلاقة.
يوصي مركز "شمس" الأمم المتحدة وهيئاتها التعاقدية والإجرائية، بضرورة التحرك الجدي والفاعل لضمان احترام قواعد القانون الدولي الإنساني، خاصة اتفاقيات جنيف، وعدم الاكتفاء بإصدار البيانات، بل العمل على تفعيل آليات المساءلة الدولية، والضغط من أجل وقف السياسات العقابية التي تستهدف الأسرى الفلسطينيين، وعلى رأسها التشريعات المتعلقة بعقوبة الإعدام.
كما يدعو المركز الدول الأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقيات جنيف إلى الوفاء بالتزاماتها القانونية، وعدم التعامل مع هذه الاتفاقيات بشكل انتقائي، والعمل على اتخاذ خطوات عملية لضمان حماية الأسرى الفلسطينيين باعتبارهم أشخاصاً محميين بموجب القانون الدولي، بما في ذلك استخدام الأدوات الدبلوماسية والقانونية للضغط على القوة القائمة بالاحتلال لوقف الانتهاكات.
كما يوصي مركز "شمس" المنظمات الدولية الحقوقية والإنسانية، وعلى رأسها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بضرورة زيارة الأسرى بالسجون، وممارسة دور أكثر فاعلية في رصد الانتهاكات، خاصة ما يتعلق بالتعذيب والإهمال الطبي، والعمل على ضمان وصول الرعاية الصحية الملائمة للأسرى، ومتابعة أوضاعهم بشكل دوري.كما يوصي المركز وسائل الإعلام بضرورة التعامل مع قضية الأسرى الفلسطينيين باعتبارها قضية حقوقية وإنسانية مستمرة، والعمل على تسليط الضوء على الانتهاكات بشكل مهني ومستدام، بما يسهم في كشف الحقائق ومواجهة محاولات التعتيم.



