سلوان-القدس-تقرير:واثق نيوز-تشهد بلدة سلوان، الواقعة جنوب المسجد الأقصى المبارك مباشرة ، تصعيداً خطيراً في عمليات الاستهداف التي تقوم بها سلطات الاحتلال الإسرائيلي، كان آخرها مصادرة أرض تابعة للبطريركية الأرثوذكسية يوم 15 يونيو/حزيران 2026، في عملية وصفتها الكنيسة بأنها "غير قانونية" وتشكل "سابقة خطيرة".
وتأتي هذه الحادثة في سياق أوسع من الضغط الإسرائيلي المتصاعد على البلدة، التي تحولت إلى بؤرة صراع بين المشروع الاستيطاني الإسرائيلي والوجود الفلسطيني–المسيحي التاريخي في القدس.
تقع سلوان على بعد مئات الأمتار فقط جنوب المسجد الأقصى المبارك، وتطل على البلدة القديمة من الجهة الجنوبية الشرقية. وهذا الموقع الاستراتيجي يجعلها هدفاً رئيساً في مخطط إسرائيلي أوسع، يرمي إلى تهويد "الحوض المقدس" .
وتعتبر سلوان جزءاً من "الحوض المقدس" – المنطقة المحيطة بالبلدة القديمة التي تسعى إسرائيل إلى فرض سيطرتها الكاملة عليها. ويقدر الخبراء أن المنطقة يتم استهدافها كونها جزءاً من هذا الحوض الاستراتيجي.
مشروع "مدينة داود" الاستيطاني ..
تعمل السلطات الإسرائيلية على دمج أجزاء من سلوان في المشروع الاستيطاني–السياحي المعروف بـ"مدينة داود". وقد كشفت خرائط جديدة نشرتها بلدية الاحتلال عن تقليص الحدود البلدية لسلوان وإلحاق جزء من مساحتها بالحي الاستيطاني الجديد. وهذا التصنيف الجديد يؤدي إلى تقليص الحيز الحضري الفلسطيني المعترف به رسمياً، ويدخل مناطق مرتبطة تاريخياً بالبلدة ضمن نطاق سياحي أثري تقوده مشاريع استيطانية.
السيطرة على وادي الربابة ..
تشير حركة "السلام الآن" الإسرائيلية اليسارية إلى أن الاستيلاء على أراضي الكنيسة في سلوان هو جزء من جهد أوسع، تقوده منظمات المستوطنين، للسيطرة على منطقة وادي الربابة وسلوان بأكملها، وتحويلها من فضاء فلسطيني إلى فضاء إسرائيلي. وقد صدرت أوامر استيلاء خلال السنوات الأخيرة بحق نحو 200 دونم من الأراضي في منطقة وادي الربابة.
تفاصيل مصادرة أرض الكنيسة الأرثوذكسية ..
في يوم الاثنين 15 يونيو/حزيران 2026، اقتحم موظفو بلدية الاحتلال في القدس، مدعومين بالشرطة والآليات الثقيلة، أرضاً تابعة للبطريركية الأرثوذكسية في بلدة سلوان.
ووفقاً لبيان البطريركية، فإن العملية شملت طرد ممثل البطريركية قسراً من الموقع ومصادرة معداته واقتلاع الأشجاروإحاطة الممتلكات بالأسوار والبوابات ومنع البطريركية من الوصول إلى أرضها.
يشار الى ان الأرض المصادرة هي القطعة رقم 6 من المجموعة 29985، المسجلة رسمياً باسم البطريركية الأرثوذكسية. وتقع بجوار دير القديس أونوفريوس، وتتمتع بقيمة تاريخية وأثرية ودينية. وتبلغ مساحتها حوالي 11 دونماً .
وعبرت البطريركية الأرثوذكسية عن "قلق بالغ إزاء الاقتحام الإسرائيلي والاستيلاء على أراضي كنيستها في سلوان"، ووصفت الحادثة بأنها "استيلاء غير قانوني وغير شرعي على ممتلكات كنسية راسخة في قلب القدس".
وكان المطران أريستارخوس، الأمين العام للبطريركية، قد أدلى بشهادته أمام محكمة الصلح في القدس قائلاً: "لقد فوجئنا بتصرف البلدية. لم تخطرنا مسبقاً أو تحاول التفاوض معنا. نحن مهتمون بالتوصل إلى تفاهم مع البلدية بطريقة لا تضرنا ولا تضر خطط البلدية".
ورد ممثل البلدية بأنها "لا تعترف بملكية البطريركية" للأرض، بحجة أنها لم تكن مزروعة وبالتالي تعتبر "أرض دولة" بموجب القانون. وهو ما علق عليه المطران أريستارخوس بالقول: "أنا مندهش من موقف البلدية. الجميع يعرف أن هذه أرض الكنيسة، وهي مهمة لنا لأسباب دينية وأثرية".
واستندت بلدية الاحتلال في إجراءاتها إلى "أمر بستنة" صادر في أبريل/نيسان 2019، لكن البطريركية تؤكد أن هذا الأمر انتهى في أبريل/نيسان 2024، وبالتالي لا يوفر أي أساس قانوني لاقتلاع الأشجار أو طرد الحارس القانوني أو منع البطريركية من الوصول إلى ممتلكاتها.
وحذرت البطريركية من أن هذا الاستيلاء "يشكل سابقة خطيرة لحقوق الكنيسة في القدس"، وأنه يأتي في إطار "نمط أوسع من الهجمات المتصاعدة التي تهدف إلى إضعاف الوجود المسيحي الأصلي في الأرض المقدسة". وأشارت إلى تسجيل 111 هجوماً إسرائيلياً ضد رجال الدين والراهبات والمصلين والمجتمعات الكنسية في عام 2024، بينها 35 هجوماً استهدفت الكنائس والأديرة والرموز الدينية.
الخارجية الفلسطينية ..
من جانبها،أدانت وزارة الخارجية الفلسطينية، يوم الجمعة الاخير، الاستيلاء ووصفته بأنه "انتهاك صارخ لحرمة الممتلكات الكنسية". وأكدت أن الأرض "مسجلة رسمياً باسم البطريركية وتقع بجوار دير تاريخي يحتوي على مواقع دينية وأثرية ذات قيمة تاريخية وثقافية".
وحذرت الوزارة من أن الاستيلاء "جزء من سياسة ممنهجة تهدف إلى السيطرة على الأملاك الكنسية وتغيير الطابع التاريخي والديني والديموغرافي للقدس المحتلة، بما في ذلك استهداف الوجود المسيحي الأصيل". وشددت على أن جميع إجراءات "الضم والمصادرة والاستيلاء باطلة وبلا أثر قانوني بموجب القانون الدولي".
من جانبها، اعتبرت اللجنة أن الاعتداء على أرض الكنيسة في سلوان يؤكد أن سياسات الاستيلاء لا تستثني أحداً، وأنها تمثل "انتهاكاً صارخاً". وأكدت أن ما جرى يمثل تعدياً على ممتلكات الكنيسة التاريخية ويهدد حضورها الديني والتراثي في المدينة المقدسة.
حركة "السلام الآن" الإسرائيلية ..
الى ذلك ،قالت حركة السلام الان الإسرائيلية في تقرير لها: "القدس مدينة ذات أهمية عميقة للأديان الثلاثة وللمليارات من الناس حول العالم. كان ينبغي لإسرائيل أن تكون نموذجاً للحكم يحترم جميع الأديان ويكرم كرامة جميع سكان القدس. وبدلاً من ذلك، في السنوات الأخيرة، دفعت السلطات الإسرائيلية بشكل متزايد الوجود غير اليهودي في المدينة جانباً، ليس فقط الفلسطينيين ولكن أيضاً المسيحيين".
وأضافت: "أصبحت بلدية القدس وسلطة الطبيعة والمتنزهات الإسرائيلية أدوات للأجندة الأيديولوجية الاستيطانية".
الإجراءات القانونية ..
في السياق ذاته،قدمت البطريركية الأرثوذكسية دعوى قضائية عاجلة ضد بلدية القدس، تطالب فيها بإصدار أمر قضائي لوقف الأعمال وتعويض عن الأضرار التي لحقت بممتلكات الكنيسة. وقد عُقدت جلسة استماع يوم الخميس الماضي في محكمة الصلح بالقدس. وخلال الجلسة دافعت البلدية عن موقفها بالاستناد إلى اللائحة البلدية (المادة 39) التي تخول رئيس البلدية أمر إزالة العوائق من الشارع، وإلى "أمر بستنة" صدر في يناير/كانون الثاني 2025.
وزعم ممثل سلطة الطبيعة والمتنزهات أن إجراءات البلدية كانت ضرورية "لحماية الأرض وآثارها من التعدي والضرر"، وأن الهدف هو "إقامة وجود دائم" في الموقع.
كما رفض ممثل البلدية الدخول في مناقشات مع البطريركية، مشيراً إلى أن البلدية لا تعترف بملكية البطريركية،
فيما لم تصدر المحكمة أمراً قضائياً، لكنها منحت الطرفين أسبوعاً واحداً لمواصلة المناقشات.
استهداف متواصل ..
لا تقتصر عمليات الاستهداف على ممتلكات الكنيسة، بل تشمل منازل المواطنين الفلسطينيين في سلوان. فقد أفادت محافظة القدس بأن طواقم بلدية الاحتلال، برفقة قوات الجيش، اقتحمت عدداً من منازل المواطنين في حي البستان بسلوان، وقامت بتفتيشها.
وتواجه سلوان تصعيداً خطيراً مع اتساع أوامر الإخلاء والهدم في حيَيْ بطن الهوى والبستان، مما يهدد عشرات العائلات بالتهجير.
ويرى الفلسطينيون أن هذه السياسات تمهد الطريق لضم إسرائيل الرسمي للضفة الغربية، وإنهاء إمكانية قيام دولة فلسطينية.
وتمثل مصادرة أرض البطريركية الأرثوذكسية في سلوان حلقة جديدة في مسلسل استهداف البلدة، التي تجمع بين الأهمية الدينية والموقع الاستراتيجي جنوب المسجد الأقصى. وتشير تصريحات جميع الأطراف – من البطريركية إلى المسؤولين الفلسطينيين إلى حركة "السلام الآن" – إلى أن هذه الحادثة ليست معزولة، بل هي جزء من سياسة ممنهجة تهدف إلى تغيير المعالم الديموغرافية والتاريخية للقدس المحتلة، وإضعاف الوجودين الفلسطيني والمسيحي في المدينة المقدسة.

