الكاتب : مجد الزغير
في مقالات سابقة، حاولتُ تشخيص ملامح الأزمة المزدوجة التي يعاني منها الاقتصاد الفلسطيني، والمتمثلة في اختلالات المالية العامة من جهة، ومحدودية قدرة الاقتصاد الكلي على التعافي والنمو من جهة أخرى. غير أن التشخيص النظري، مهما بلغ من دقة واستند إلى البيانات الكمية، يبقى ناقصاً دون الانتقال إلى السؤال العملي الأكثر إلحاحاً: ما الذي يمكن فعله لوقف التدهور الاقتصادي المتسارع في بيئة إقليمية معقدة، وفي ظل استمرار الإجراءات الإسرائيلية الخانقة التي تفاقم من ضبابية المشهد على الصعيدين الاقتصادي والمالي؟
الجواب الواقعي لا يكمن في البحث عن "حل شامل" قادر على معالجة جميع القضايا دفعة واحدة، بل في صياغة إطار عملي لإدارة الأزمة يوازن بين تقليل الخسائر تدريجياً والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار، مع إبقاء نافذة مفتوحة للتعافي المستقبلي والاستفادة من الفرص عند تحسن الظروف. وتتمثل الأولويات الراهنة في ثلاثة محاور رئيسية: إعادة ضبط المالية العامة، وتعزيز المرونة في سوق العمل، والحفاظ على الأصول الاستثمارية القائمة.
أولاً، إن إعادة ضبط المالية العامة يتطلب الانتقال من إجراءات التقشف التقليدية إلى سياسات مالية تعزز كفاءة الإنفاق العام، وتعيد تعريف دور الحكومة في الاقتصاد بما يتلاءم مع السياق الفلسطيني. فالتقشف غير المستدام وموازنات الطوارئ في اقتصاد يعاني أصلاً من ضعف الطلب الكلي، قد يفاقمان الركود بدلاً من احتوائه. المطلوب هو الانتقال نحو ترشيد ذكي للنفقات العامة، يميز بين النفقات الإنتاجية وغير الإنتاجية، مع الحفاظ على الحد الأدنى من الإنفاق الاجتماعي الضروري لتجنب المزيد من عدم الاستقرار المجتمعي.
وفي المقابل، يبقى تعزيز جباية الإيرادات المحلية من المصادر المختلفة أمراً بالغ الأهمية لتقليص العجز المالي وتوفير السيولة. غير أنه لا يمكن التعويل على زيادة الإيرادات عبر الأدوات التقليدية دون المخاطرة بخنق القطاع الخاص الهش، ولا سيما الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل غالبية الشركات العاملة في فلسطين. لذلك، تبرز الحاجة إلى التركيز على تحسين كفاءة الجباية بدلاً من رفع العبء الضريبي، بما يمكّن الحكومة من زيادة التحصيل من جهة، ويساعد المنشآت الاقتصادية العاملة بشكل رسمي على لعب دورها كمحرك للنمو الاقتصادي وخلق فرص العمل وتعزيز الإنتاج من جهة أخرى.
إلى جانب ضبط المالية العامة، تبرز الحاجة أيضاً إلى تبني إدارة أكثر حذراً للدين الداخلي، الذي تجاوز ثلاثة مليارات دولار وفق أحدث التقديرات. ويشكّل هذا الدين أداة تمويل ضرورية في ظل الظروف الاستثنائية ومحدودية السيولة التي تعاني منها الحكومة الفلسطينية. وفي الوقت الذي أصبحت فيه إدارة الدين العام مساراً محفوفاً بالمخاطر، تبرز الحاجة إلى البحث عن آليات مبتكرة لإدارة هذه الديون، مثل تحويل جزء منها إلى سندات طويلة الأجل مدعومة بآليات ضمان مناسبة، بما يمكّن الحكومة من الوفاء بالتزاماتها ليس فقط تجاه القطاع المصرفي، بل أيضاً السداد التدريجي للمتأخرات المستحقة لموظفي الخدمة المدنية ولموردي القطاع الخاص.
ثانياً، إن معالجة التقلبات السلبية في سوق العمل الفلسطيني تستدعي تبني سياسات ذكية قادرة على خفض معدلات البطالة المرتفعة، والتي تعكس أزمة هيكلية تتجاوز حدود الدورة الاقتصادية التقليدية. وفي ظل القيود الإسرائيلية المفروضة على الحركة والتجارة، أصبح من الضروري التفكير خارج الأطر التقليدية. وعلى المدى القصير، قد تكون هناك حاجة إلى برامج تدخل مؤقتة مثل دعم الأجور أو برامج تشغيل طارئة، ليس بوصفها حلولاً مستدامة، بل كأدوات عملية لامتصاص الصدمات ومنع تدهور أعمق في سوق العمل.
أما على المدى المتوسط، فإن الاستثمار في المهارات والتعليم التقني قد يشكل أحد المسارات القليلة القابلة للنمو رغم القيود، من خلال تعزيز التشغيل في القطاعات الإنتاجية المحلية بما فيها الصناعة والزراعة، إلى جانب تعزيز دور الاقتصاد الرقمي عبر تشجيع العمل عن بعد، بما يسمح بتجاوز بعض القيود الجغرافية المفروضة على العمالة الفلسطينية وربطها بالأسواق الإقليمية والدولية.
ثالثاً، في بيئة تتسم بارتفاع المخاطر السياسية والاقتصادية، يصبح الحديث عن جذب الاستثمار أقرب إلى الطموح النظري. فقد أصبحت الأولوية الأكثر إلحاحاً هي منع تآكل الأصول الاستثمارية القائمة، إذ إن هروب رأس المال المحلي قد يكون أكثر كلفة من غياب تدفقات استثمارية جديدة. وكحلول عملية، يمكن لأدوات مثل الضمانات الائتمانية عبر مؤسسات التمويل الدولية والبنوك التنموية متعددة الأطراف أن تلعب دوراً مهماً في مساعدة الشركات على الصمود. كما أن تسريع وتيرة الإصلاحات التي تعزز الوصول إلى التمويل قد يساعد في تصميم أدوات استثمارية مبتكرة تتناسب مع مستوى المخاطر المرتفع في فلسطين، وقادرة على جذب رؤوس أموال إضافية، سواء من الشتات الفلسطيني أو عبر صناديق الاستثمار والصناديق السيادية العربية والإسلامية.
بالتأكيد، تسهم التوترات الإقليمية في تفاقم حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الاقتصاد الفلسطيني، من خلال تأثيراتها المحتملة على مستويات الدعم الدولي وعلى حركة التجارة والتدفقات المالية. ومع ذلك، لا يخلو المشهد من هوامش ضيقة للمناورة يمكن استكشافها، مثل إعادة تموضع بعض سلاسل التوريد بما يهيئ الظروف لدعم إحلال الواردات في عدد من السلع الأساسية، وبناء شراكات اقتصادية في القطاعات الإنتاجية.
ولعل التحول الأهم الذي ينبغي إدراكه هو أن الاقتصاد الفلسطيني لا يواجه أزمة عابرة، بل حالة ممتدة من الهشاشة المركبة والصدمات المتلاحقة. وفي مثل هذا السياق، يصبح الهدف الواقعي هو إدارة الأزمة بواقعية، من خلال تقليل الخسائر قدر الإمكان، والحفاظ على استمرارية الأنشطة الاقتصادية في القطاعات المختلفة، دون الانزلاق نحو حالة عدم استقرار أعمق.
في نهاية المطاف، يقف الاقتصاد الفلسطيني اليوم بين خيارين: استمرار التآكل الاقتصادي والمؤسسي في حال غياب تدخلات مدروسة، أو صمود عملي يستند إلى نهج براغماتي يوازن بين الممكن والمأمول، ويدرك حدود الواقع، ويعمل على تحديد من سيبقى واقفاً عندما تتغير الظروف.



