اقتصاد

تجارة الشهادات على حساب الخريجين: تخصص صناعة الأسنان.. فائض في البطالة وعشوائية في القبول!

79 مشاهدة
تجارة الشهادات على حساب الخريجين: تخصص صناعة الأسنان.. فائض في البطالة وعشوائية في القبول!

الكاتب : كمال فكري الخيري
 

خلف بريق ابتسامات الخريجين المنتشين بفرحة التخرج، وفي عمق البيوت الفلسطينية التي استنزفت عرقها ودمها لتدريس أبنائها تخصص "تكنولوجيا مختبرات الأسنان"، تكمن تراجيديا صامتة تدمي القلوب. فبمجرد أن يجف حبر الشهادة الجامعية، يصطدم هؤلاء الشباب بجدار الواقع القاحل؛ واقع البطالة الشرسة التي تلتهم طموحهم، وتحيل طاقاتهم الإبداعية إلى كتلة من الإحباط والانكسار، تاركةً الأهالي في ذهول وصدمة أمام وعود وظيفية تبخرت في الهواء ، ومختبرات بالكاد تلتقط انفاسها .

​إن ما يشهده قطاع التعليم العالي اليوم من ضخ عشوائي مستمر في هذا التخصص لا يمكن وصفه إلا بأنه انتحار مهني وأكاديمي متكامل الأركان. نحن لا نتحدث عن أزمة عابرة، بل عن كارثة رقمية تُترجم على أرض الواقع بأكثر من ٤٠٠ خريج سنوياً، يقذف بهم رحم الجامعات المحلية والشهادات الوافدة من الخارج إلى سوق عمل فلسطيني مشبع، ومثقل، ومخنوق أساساً، لا يكاد يجد متسعاً لأبنائه القدامى!

​عشوائية القبول وغياب التوأمة .. 
​إن الطعنة الكبرى التي تدمي جسد هذه المهنة الدقيقة، وتهز أركان المعايير الأكاديمية الرصينة، تتمثل في إقدام بعض جامعات الضفة الغربية على فتح بواباتها لاستقبال خريجي الفرع الأدبي في هذا التخصص! كيف يستقيم هذا في منطق العلم والطب؟ إن صناعة الأسنان، عربياً ودولياً، هي حكر على الفرع العلمي بحكم ارتباطها العضوي المباشر بعلوم الفيزياء، الكيمياء،وعلم المواد. إن القبول العشوائي لطلبة الفرع الأدبي ليس مجرد هفوة إدارية، بل هو استسهال خطير يستهدف جودة المخرج التعليمي ويهبط بمستوى المهنة إلى الحضيض.
​هذه الفوضى العارمة تضعنا مباشرة أمام تساؤل حارق: أين التنسيق وغرفة العمليات المشتركة؟
أين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي من هذه العشوائية؟ وأين دور الجامعات المحلية في قراءة نبض الشارع؟ وأين نقابة اخصائيي مختبرات الأسنان ومجلسها من فرض هيبتها التنظيمية؟ ام هناك تضارب في المصالح الشخصية ؟.. ، إن غياب جسور التنسيق والتوأمة بين هذا الثالوث جعل من الطالب الخريج الضحية الأسهل للتخبط وغياب التخطيط الإستراتيجي وجدوى التخصص.

​بين المطرقة والسندان ..
​لا تتوقف المعاناة عند حدود الحصول على الشهادة، بل تبدأ المأساة الفعلية حين يبحث الخريج عن مختبر يحتضنه للتدريب فلا يجد! فالقدرة الاستيعابية لمختبرات الأسنان المحلية عاجزة تماماً عن استيعاب هذا الطوفان البشري السنوي؛ إذ تعمل المختبرات القائمة بطاقاتها القصوى ولا تملك ترف الوقت ولا المكان لتأهيل مئات الخريجين. وهنا تقع الصدمة النفسية والاجتماعية المروعة للطالب وعائلته، إذ يدركون -بعد فوات الأوان- أنهم دفعوا مدخرات العمر ثمنًا لشهادة مكانها الوحيد هو جدران الغرف المغلقة.

​قرارات قيصرية.. أو السقوط في الهاوية! ..
​إن الاستمرار في تفريخ الخريجين بهذا الأسلوب العبثي هو تدمير ممنهج لقطاع حيوي في المنظومة الطبية والمهنية الفلسطينية، وإعدام بطيء لجيل بأكمله. ومن موقع المسؤولية المهنية والوطنية، نطلقها صرخة مدوية في وجه وزارة التعليم العالي ورؤساء الجامعات، مطالبين بحزمة قرارات جريئة وفورية لا تقبل المماطلة:
​١. التجميد الفوري والشامل للتخصص: نطالب بقرار سيادي أكاديمي يقضي بتجميد قبول طلبة جدد في تخصص مختبرات الأسنان لعدة سنوات قادمة في كافة الصروح الجامعية والمعاهد المحلية، لإعطاء سوق العمل فرصة لالتقاط الأنفاس واستيعاب الفائض المتراكم.
​٢. إعادة صياغة دراسة الجدوى: إخضاع هذا التخصص لمراجعة شاملة وحقيقية تقيس حاجة السوق الفعلية، وربط أعداد المقبولين مستقبلاً بنسب دقيقة ومدروسة تضمن للخريج فرصة عمل حقيقية فور تخرجه.
​٣. حصاد الفرع العلمي بلا مواربة: الإلغاء الفوري لكافة الاستثناءات التي تسمح بقبول طلبة الفرع الأدبي، والالتزام الحرفي بالمعايير العربية والدولية التي تشترط الخلفية العلمية الرصينة لولوج هذا المجال الدقيق.
​٤. تفعيل الهيئة التنسيقية المشتركة: إلزام وزارة التعليم العالي والجامعات بالجلوس على طاولة واحدة مع النقابة، لصياغة إستراتيجية وطنية موحدة تضمن جودة التعليم، وتوفر بيئات تدريبية حقيقية، وتنظم منح مزاولات المهنة وفق معايير الكفاءة لا الكثرة العددية.
٥. اعتماد التعليم المستمر للخريجين من قبل التعليم العالي ووزاره الصحه والنقابة . 

​إن صرختنا هذه ليست ترفاً لغوياً، بل هي استغاثة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وصون كرامة خريجينا من التبذل على أرصفة البطالة والإحباط . لقد حان وقت القرارات الجريئة والمزلزلة.. فهل سنجد آذاناً تعي، وعقولاً تدير، وضغوطاً تُمارس لإنقاذ مستقبل شبابنا؟

*مؤسس نقابة مختبرات الأسنان الفلسطينية 
*عميد نقباء مختبرات طب الأسنان العرب