الكاتب : الصحفي عبد الهادي بركة
شهدت دار النشر "تنمية" احتفالية ثقافية نوعية بتوقيع رواية "قناع بلون السماء" للكاتب والأسير المحرر باسم خندقجي.
لم يكن الحفل مجرد مناسبة لتوقيع كتاب، بل كان إعلاناً عن "أدب الاشتباك" الجديد، الذي يتبنى الوصوال الى أعماق ما يفكر به الأخر واختراقه ومواجهته في ذلك. لثبات الوجودية الفلسطينية التي يحاول المحتل طمس معالمها .
وسط حضور متفاعل، أدار احتفالية التوقيع الكاتب د. محمود بركة، مُرحباً بالضيوف، والأدباء، والمثقفين وبالممثل الثقافي لسفارة فلسطين في جمهورية مصر العربية الشقيقة، الأستاذ ناجي الناجي، والناقدة الأدبية البارزة د. شيرين أبو النجا، أستاذة النقد الأدبي في جامعة عين شمس، ثم تحدث عن الاسير المحرر باسم خندقجي وعن الرواية التي تأتي أهميتها ومكانتها لكونها الأولى, فقط بل سعياً نحو حوار مُنتج يبحث في مكانة الأدب, ودوره في تحقيق الوعي الهادف, من موقع التجربة المعرفية والتحررية التي عاش باسم خندقجي مداراتها الطويلة, هذه التجربة الثقافية والفكرية هي الجغرافية المضافة للرحلة والروح الفلسطينية, التي أضيفت للفلسطيني نحو طريق البحث عن سرديات الإبداع والرد بالكتابة , بعدما فرض المحتل جغرافيات سجينة "المخيم والسجن والمقبرة والشتات" , فكان عليه البحث والدفاع عنها بالكتابة على أمل أن تبقى الذاكرة مستمرة وواعية.. أو كما وصف الراحل الياس خوري" على الفلسطينيين أن يحوِّلوا تاريخهم إلى تاريخ...
الأسير المحرر الكاتب والروائي باسم خندقجي المولود بفلسطين في مدينة نابلس في سنة 1983، من رواد ومفكري الحركة الفلسطينية الثقافية, تنوعت نتاجاته في الكتابة بأشكال متعددة منها؛ شعراً ورواية، والكتابة الفكرية، والسياسية والتاريخية والنظرية، اعتُقل في 2 (أكتوبر) 2004، ، قضى في الأسر واحد وعشرين سنة ، حُكم بالسجن المؤبّد ثلاث مرات، وتحرر من الأسر في ١٣ أكتوبر ٢٠٢٥ .
وعلى الرغم من انقطاع مسيرته الأكاديمية كطالب في قسم الصحافة والإعلام في جامعة النجاح الوطنية في نابلس. بسبب الأسر، إلا إن إصراره جعله يتمكن من الحصول على درجتَي البكالوريوس والماجستير في الدراسات الإقليمية، من جامعة القدس (2016)، من خلال برنامج أكاديمي يتعلق بالتحرر المعرفي من داخل سجن 'هداريم'، بإشراف القائد الوطني الأسير الدكتور مروان البرغوثي .
أصدر باسم خندقجي ديوان الشعر الأول " طقوس المرة الأولى.. 2009 , والديوان الثاني "أنفاس قصيدة ليلية. 2013, فيما أصدر مجموعة من الروايات وهي : مسك الكفاية: سيرة سيدة الظلال الحرة.. 2014, ونرجس العزلة 2017,, وخسوف بدر الدين 2019 ,, وأنفاس امرأة مخذولة 2020, وأصدر ضمن مشروعه الروائي " ثلاثية المرايا" الجزء الأول رواية "قناع بلون السماء 2023 " وأنجز رواية "سادن المحرقة "2024 , وهو الجزء الثاني من قناع بلون السماء والمكمل لثلاثية المرايا,, ولا يزال الجزء الثالث للثلاثية " فراشات مريم المجدلية" برسم النشر,, وكذلك محنة المهبولين... والعديد من المقالات السياسية والفكرية
يقول باسم خندقجي : فرصة الكتابة من داخل المعتقل فعل تحرري وفعل وجودي. كلما كنت اكتب كلمة كنت اشعر بأنني حر أكثر, وكلما كانت هذه الكلمة تتحول الى جملة, تتحول الى صفحة, والصفحة تتحول الى نص والى رواية, كنت اشعر بأنني احيا داخل وطني الأصغر . هذا الوطن الذي سرقته من عتمه السجان والسجن, هذا الوطن الذي سعيت من خلاله ان اتحدى تلك السياسة وأن اقول لهذا المستعمر أنني إنسان بالرغم من محاولاته لتفكيك إنسانيتي.
وانتقلت الكلمة إلى الناقدة الأدبية. شيرين أبو النجا، التي ناقشت الرواية "قناع بلون السماء"، مؤكدة على ان الفلسطيني عادة ما يبدع في تناوله لقضيته وصراعه مع هذا الاحتلال، ونحن ومام رواية تقدم منهجية حديثة تتجاوز السرد التقليدي، وتفرض ذاتها كـ أسلوب نضالي جديد. فقد ارتكزت الرواية على القناع كأداة تمويه في الوصول الى أعماق الآخر، وهي بخلاف للسرديات التي تُكتب بمعزل عن المعالجة والأثر الفعلي، متبنية رؤية قائمة على الاشتباك الفكري والروائي.
تقول ابوالنجا : لقد أوضح الكاتب، من خلال روايته، أن الكتابة في السجن تختلف عن الكتابة الأدبية خارجه؛ إنها تتحول إلى منهج مقاومة جديدا يقوم على الاشتباك مع الآخر في كافة أنماط ما يفكر به وهي قائمة على الاشتباك المباشر ، هذا الاشتباك، كما يراه خندقجي، يسعى إلى تحطيم المعادلة السردية عند "هيغل" التي كانت قائمة على العلاقة بين السيد والعبد، الوعي والوعي المضاد، اذ تقوم على اختراق الآخر والكشف عن نوازعه وطموحاته الساعية إلى تدمير الإنسان الفلسطيني وطمس تاريخه وحضارته.
وتجلت هذه المقاومة السردية في شخصيات الرواية، حيث لم تكن "ريم المجدلية" سوى صورة للمرأة الفلسطينية الحقيقية، صاحبة المكان والزمان، التي يشتد السعي الاستعماري لطمس صورتها وشطبها من تاريخها ونقلها إلى حيز غير فلسطيني. بهذه الطريقة، يُعيد خندقجي الكتابة الفلسطينية بوصفها كتابة للوجود والصمود، لا مجرد توثيق سردي.
الإبداع خلف القضبان وجائزة الانتصار ..
إن قصة الكاتب باسم خندقجي هي في حد ذاتها أدب صمود يُحتذى به. وأبرز ما يجسد قوة هذا الإبداع هو فوزه بـ "جائزة البوكر" وهو ما زال في سجنه. وفي شهادة مؤلمة وحاسمة، خاصة عندما روى خندقجي كيف علم بفوزه عندما استدعاه ضباط الأمن، واعتدوا عليه لفظياً وكسروا نظارته الصحية قائلين: "لا نريد أن ترى شيئاً بعد اليوم". ليكون رده الصاعق: "إن كانت كتاباتي ما تؤذيكم، سأظل أكتب حتى أُنهيكم". القيد ينكسر والفضاء يتسع وحتما على الفلسطيني ان ينتصر.
وتحدث الى الممثل الثقافي الأستاذ ناجي الناجي الذي أثنى على الرواية وعمقها ، مذكراً بحواراته مع خندقجي أثناء السجن، وكيف كانت لديه قناعة راسخة بأن القيد سينكسر. وأكد أن خندقجي اليوم هو مثال حي لصمود الإنسان الفلسطيني وإضافة نوعية للأدب الفلسطيني الذي ما زالت الحركة الأسيرة تقدّم من خلاله إبداع المقاومة.
كما تحدث الأسير المحرر نادر صدقة عن ذاته وعذابات الاسر الطويلة، وعلاقته بزملائه في داخل السجن وكيف كانت تمضي حياتهم، مذكرا بالطائفة السامرية في جبل نابلس ونضالاتهم الوطنية كفلسطينيين من أجل التحرر الوطني .
وفي الختام وقع الأسير خندقجي روايته للحاضرين من الكتاب والمثقفين وسط احتفالية توقيع تكرس مدى الأهتمام بنضالات الأسرى وابداعاتهم من اجل الحرية.



