الكاتبة : سهير سلامه
"بالواقع انا ابن مخيم عين الحلوة"، طالما كانت هذه إجابته الوحيدة، وفي كل حوار يُسأل فيه عن حياته، " اذا كان ممكن اي واحد يتصور انه شو إلي هوية سياسية، بمعنى من اي قبيلة، من اي فريق، من اي حزب...؟"، " انا انسان عربي، بحاول بصدق أعبر عن آلام واحلام وطموحات هذه الأمة".
الشهيد ناجي العلي، كانت قرية الشجرة في يافا، أولى صحوته للحياة، فيها ترعرع وعزف ايقونة الكرامة والعزة والاباء، قبل ان تهجره غيابات النكبة، ويجد نفسه في مخيمات اللجوء، والذل، والمهانة، فيولد الفلسطيني، في المخيم وفيه يخطو خطوته الاولى، وحين تدرك ساقاه الجهات الأربع ، تراه يمشي بفطرته صوب مرتعه الأول، موطنه الامثل، ليسترده او يموت فيه.
بدأت أولى خطوات حنظلة تتشكل، فهناك تفتحت عيونه على الظلم والقهر، اللذان يتعرض لهما الانسان المهجر، وأصر على البقاء، طفلا في العاشرة من عمره، لا يولي من حوله اي اهتمام او اعتبار، لانهم لم يدافعوا عن طفولته، وارضه المسلوبة، ظهر حنظلة لأول مرة في العام ١٩٦٩ ، ذاك الطفل ذو العشر سنوات الذي يرسمه دائما بظهره الى المشاهد ويديه خلف ظهره، ليكون رمزا للمقاومة، وشاهدا على مراحل الوجع الفلسطيني، الذي ترك اثرا عميقا في وعيه وابداعه.
اختار العلي ان يبقى حنظلة في العاشرة من عمره، لان ذلك العمر هو اللحظة التي فقد فيها وطنه وارضه، واعدا العالم أجمع ان يدير وجهه إليه فقط، عندما يعود وطنه لأهله الحقيقيين والاصليين.
ترك ناجي العلي ما يزيد على ٤٠ الف رسم كاريكاتيري، يعتبر الكثير منها وثيقة تاريخية وسياسية، تعكس نبض الشارع العربي، ولا يزال حنظلة " ابنه الروحي" رمزا تعبيريا عالمياً للتحدي والصمود، يظهر على الجدران والجداريات، في شتى بقاع العالم، ليذكر بان صوت المظلوم لا يموت.
رحل ناجي العلي جسدا لكن رسوماته ظلت حية تخاطب اجيالا واجيال، وتؤكد ان الفن مقاومة، وان الريشة ابلغ من الرصاصة، ... رحل ولم ترحل ايقونته الثائرة، وبقي حنظلة الضمير الذي لا يكبر، مهما طالت به السنين والايام.
" طموحي ان أصِل لفلسطين"، كانت آخر أمانيه، أن يمشي على مهله في يافا، قبالة البحر، قرب مسجدها القديم، يجلس ينتظر صبح المدينة، شمسها التي ستشرق بين يديه، فخلف ظهره ترك المدينة الملفقة، مقلوبة، ممنوع على خاطفيها الخروج الى الشوارع وترك لهم اشباحه كما الاساطير، يبحثون عنه، جاؤوا بكل شياطينهم لكنه كان رعدا يشق الليل بظهره ويديه المكتوفتين، وريشته وخطوطه البسيطة.
السلام عليك يا رعد..
السلام على روحك تحلق نوارسا في سماء يافا...
السلام على يد المخيم تقبض على مخمس أحلامنا..
سلام عليك وعلى سنواتك العشر التي أبت ان لا تفارقنا



