تعدّ المادية الجدليّة الركن الأعمق في البنية النظرية للماركسية؛ فهي ليست مجرد منهج للتفكير، بل هي طريقة لفهم العالم بكل ظواهره، من الطبيعة إلى المجتمع، ومن الاقتصاد إلى الوعي الإنساني. وقد صاغها ماركس وإنجلز كردّ جذري على الفلسفة المثالية التي كانت ترى أن الأفكار هي التي تصنع الواقع، فجاءت الماركسية لتقول: الواقع المادي هو الذي يصنع الأفكار، وإن كل شيء يتحرك ويتغير نتيجة صراع داخلي لا ينقطع.
قبل ماركس، كان هيغل يفسّر تطور العالم على أساس صراع أفكار كبرى تتجسّد في التاريخ. أمّا ماركس فقد قلب الفكرة رأسًا على عقب: ما يتحرك ليس “الروح” أو “العقل” كما ظن هيغل، بل الواقع المادي بكل تناقضاته. فالعمل، والإنتاج، والاقتصاد، والملكية، والصراع الاجتماعي … كل هذه هي القوى الحقيقية التي تدفع التاريخ إلى الأمام.
هنا تبدأ المادية الجدلية:
العالم ليس ثابتًا، وليس مكتفيًا بذاته؛ إنه عملية دائمة من التحولات.
مبدأ التناقض : القلب النابض للديالكتيك
تقوم المادية الجدلية على فكرة أساسية تقول: كل شيء في الوجود يحمل داخله تناقضًا هو مصدر حركته وتغيره.
النموذج الأوضح هو المجتمع الرأسمالي نفسه:
١.من جهة قوة العمل
٢.ومن جهة أخرى رأس المال
وهما قوتان متناقضتان لكنهما متلازمتان، وتفاعلهما وصراعهما هو الذي ينتج تطور المجتمع وصراعاته.
بهذا المعنى، الديالكتيك ليس “سجالًا فكريًا”، بل هو قانون طبيعي يشبه الجاذبية في الفيزياء.
قانون التحوّل : حين تتحول الكمّية إلى كيفيّة .
يركز الديالكتيك على أن التغيّر النوعي لا يحدث فجأة، بل نتيجة تراكمات طويلة. مثلما تتسبب قطرات المطر المتتابعة في صنع سيلٍ جارف، كذلك تتجمع التغييرات الصغيرة في البنية الاجتماعية حتى تصل إلى نقطة الانفجار.
فثورات الشعوب، على سبيل المثال، لا تُصنع في يوم واحد؛ إنها نتيجة تراكمات اقتصادية واجتماعية وسياسية تتفاعل داخل المجتمع إلى أن تحدث القطيعة الكبرى.
نفي النفي: حركة التاريخ إلى الأمام :
لا يوجد شيء يندثر تمامًا . كل مرحلة تاريخية تنفي التي قبلها، لكنها تحمل عناصر منها وتعيد تشكيلها. فالإقطاع مثلًا نَفَى العبودية، ثم جاءت الرأسمالية فنفت الإقطاع، لكنها احتفظت ببعض عناصره، ثم ستنفيها الاشتراكية في مرحلة لاحقة.
هذه الحركة تشبه نمو البذرة إلى شجرة:
البذرة "تُنفى" لكنها تعود في شكل أعلى وأكثر تعقيدًا.
العالم كمنظومة مترابطة :
المادية الجدلية لا تنظر إلى الظواهر بشكل منفصل، بل باعتبارها أجزاءً من شبكة مترابطة. فالاقتصاد يؤثر على السياسة، والسياسة تؤثر على القانون، والقانون يؤثر على الوعي، والوعي نفسه يتأثر بالبنية الاجتماعية.
بهذه النظرة الكلّية، يصبح المجتمع كائنًا حيًا تتحرك أجزاؤه بتأثير متبادل، ولا يمكن فهم جزء منه دون فهم الكل.
جوهر المادية الجدلية :
في نهاية المطاف، ما تريد الماركسية قوله هو الآتي:
لا شيء ثابتا
لا شيء بلا تناقض
لا شيء خارج حركة التغيّر
و الواقع المادي هو الأساس الذي تنبثق منه الأفكار .
فالتاريخ ليس مسرحًا لأبطال عظماء، بل هو نتيجة صراع مادي بين قوى اجتماعية تتنافس على الإنتاج والموارد والسلطة .
المادية الجدلية ليست مجرد مفهوم فلسفي، بل هي عدسة نرى عبرها العالم في حركة مستمرة، تتصارع فيها القوى المتناقضة لتُنتج واقعًا جديدًا. ومن خلال هذا المنهج استطاع ماركس تحليل المجتمع الرأسمالي، وكشف قوانينه الخفية، وطرح رؤيته حول مستقبل الإنسان وتحرره.



