الكاتبة : سهير سلامة
نعيش اليوم في زمن تتداخل فيه المتناقضات كما تتشابك الخيوط في نسيج واحد، لا تستطيع أن تفصل لونه الداكن عن الفاتح، ولا تعرف أين يبدأ الحزن وأين ينتهي الأمل، هو زمن سريع، يهرول بنا بينما نحاول أن نحافظ على اتزان خطواتنا، وكأننا نسير فوق خيط مشدود بين السماء والأرض.
سيشغلوننا ببائع الخبز وبائع اللحم، وبائع الدقيق، وبائع الزيت، حتى ننسى بائع الوطن، وسط شتاء طويل، سيمر دون حزم قش القمح، دون تراويد اعتدنا على سماعها، دون موقد نار تم الاعتناء به قبل ان يحل الغروب.
وضعنا الحالي ليس مجرد أحداث تتعاقب، بل هو حالة نفسية جماعية، حالة نحمل فيها قدرا من الخوف، وقدرا من الرجاء، نخاف الغد لأن صور الأخبار تتسلل إلى أعماقنا، وتزرع في القلب قلقا صامتا، ومع ذلك، حين يطل الفجر، يوقظ فينا نوره، إحساسا بأن الحياة ما زالت قادرة على أن تمنحنا فرصة جديدة، ولو صغيرة.
لقد تغيرنا كثيرا، صار الكلام أقل عمقا، والعلاقات أكثر هشاشة، والقلوب متعبة من الركض خلف ما لا يدرك، صرنا نبحث عن الطمأنينة، وسط عالم يزدحم بالضجيج، وعن الحقيقة وسط تعدد الأصوات، وعن معنى ثابت في زمن، يتبدل كل ساعة، وحتى حين نضحك، تبقى في الضحكة ظلال لا يراها إلا من يعرف حجم ما نحمله في قلوبنا.
ومع ذلك، ما زال في واقعنا بؤرة ضوء لا تنطفىء، طفل يضحك في الشارع، أسرة تجتمع رغم التعب، صديق يقتسم معك ما لديه، وشخص مجهول يقدم خيرا بلا انتظار مقابل، هذه التفاصيل الصغيرة، التي نكاد لا نلتفت إليها، هي التي تحفظ إنسانيتنا من التآكل.
ربما يكون وضعنا الحالي مرهقا، لكنه ليس نهاية الطريق. فكل أزمة تعلمنا درسا، وكل ضيق يصنع في داخلنا مساحة جديدة للقوة، وما دمنا نملك القدرة على أن ننهض بعد كل عثرة، فإننا لا نزال في معركة الحياة منتصرين، حتى لو بدا المشهد من حولنا قاتما.
إن مستقبلنا لا يكتب في نشرات الأخبار، بل في الإصرار الصامت، لكل فرد فينا وهو يحاول أن يكون أفضل، ولو خطوة واحدة.
وبين الخيبة والأمل، وبين الخوف والرجاء، يستمر الإنسان… يستمر لأنه ولد ليقاوم، ويكمل، ويضيء الطريق بما استطاع.
* مراسلة "واثق نيوز" في المحافظات الشمالية



