الكاتبة : رانية مرجية
في الصباح الذي يشبه كل صباحات العاملات، خرجت سناء صالح طه، وعُلا قدح زعبي، ورنين محمد معروف طه من بيوتهنّ في كفر مندا. لا شيء كان استثنائيًا: باب يُغلق بهدوء، كلمات سريعة، ووعدٌ بالعودة مساءً. لكن الطريق لم يكن طريقًا. كان حدًّا خفيًا بين حياةٍ تُطلب بكرامة، وموتٍ يأتي بلا استئذان.
على شارع 77 قرب الزرازير، لم يقع “حادث طرق” بالمعنى البارد للكلمة. ما حدث كان انهيارًا كاملًا لفكرة الأمان. شاحنة ثقيلة، ميني باص يقلّ عاملات، مركبات أخرى، واصطدام عنيف يكفي ليحوّل رحلة العمل اليومية إلى فاجعة جماعية. ثلاث نساء غابن دفعة واحدة، وامرأة رابعة تُركت معلّقة بين الحياة والموت. اختلطت الأرقام، لكن الحقيقة بقيت صافية: هناك بيوت لن تعود كما كانت.
في مثل هذه اللحظات، تُستدعى لغة التحقيق: سرعة، خطأ بشري، ظروف طريق. لغة دقيقة… لكنها ناقصة. لأنها تكتفي بوصف اللحظة، ولا تجرؤ على مساءلة ما قبلها. ليست الطرق من تقتل، بل السياسات التي تقرر من يستحق الحماية، ومن يُترك للصدفة.
العاملات اللواتي يستيقظن قبل الفجر، ويركبن مركبات عمل لساعات طويلة، لا يخترن الخطر. هنّ يُدفعن إليه. بين عملٍ هشّ، ونقلٍ غير منظم بما يكفي، ورقابةٍ متراخية، تتحول الطريق إلى امتداد لقسوة الحياة نفسها. ليست رحلة إلى العمل، بل عبور يومي فوق احتمال الموت.
هنا، لا يعود السؤال: ماذا حدث في تلك اللحظة؟
بل: لماذا كان يمكن أن يحدث أصلًا؟
لماذا ما زالت شوارع تخدم بلدات عربية تُدار بعقلية الحد الأدنى؟ لماذا لا تُفرض رقابة صارمة على الشاحنات ومركبات نقل العمال؟ لماذا يُترك آلاف الناس يسافرون يوميًا في ظروف لا تليق بكرامة إنسانية أساسية؟ ولماذا لا تتحول هذه الأسئلة إلى قرارات؟
في هذه البلاد، الأمان ليس حقًا متساويًا… بل امتياز يُوزَّع.
الأرقام معروفة، لكنها لم تعد تصدم أحدًا. نسبة الضحايا من المجتمع العربي أعلى من نسبتهم السكانية، والسنوات تمضي دون تغيير جذري. الأخطر من الرقم هو الاعتياد عليه. أن يصبح الموت خبرًا متكررًا، وأن يتحول الحزن إلى طقس سريع يُنجز، ثم يُنسى.
غير أن الفقد لا يُنجز… ولا يُنسى.
في بيت سناء، هناك فنجان قهوة لم يُشرب. في حياة عُلا، هناك من كان ينتظرها لتعود. وفي غياب رنين، هناك زمن كامل انكسر ولن يُعاد كما كان. هذه ليست أسماء في خبر، بل عوالم كاملة توقفت فجأة.
السياسة هنا ليست شعارًا. هي الفرق بين طريقٍ آمن وطريقٍ قاتل. بين رقابة تُنقذ حياة، وإهمال يفتح الباب لفاجعة. بين دولة ترى مواطنيها جميعًا، ودولة ترى بعضهم أكثر من غيرهم.
ما جرى ليس قدرًا. القدر لا يُهمل، ولا يؤجل، ولا يقرر أن بعض الطرق يمكن أن تبقى خطرة لسنوات. ما جرى هو نتيجة. نتيجة تراكم طويل من قرارات ناقصة، ومن صمتٍ أطول.
الرحمة لهنّ، نعم.
لكن الرحمة وحدها لا تغيّر شيئًا.
ما يغيّر هو الغضب حين يتحول إلى مطلب، والمطلب حين يتحول إلى سياسة، والسياسة حين تعيد للطرق معناها: أن تكون طريقًا للحياة، لا ممرًا للموت.
سناء، عُلا، رنين… لم يمتْن في حادث.
بل في طريقٍ قيل لنا طويلًا إنه “عادي”… حتى أثبت، مرة أخرى، أنه قاتل .



