الكاتب : د. سيد غيث
تصدير:
تُعدُّ مدينة البهنسا واحدةً من أقدس المدن في صعيد مصر، وهي درةٌ غائرة في قلب التاريخ، جمعت بين عبق الحضارة المصرية القديمة ونور الرسالة الإسلامية حتى استحقت عن جدارة لقب «البقيع الثاني» أو «بقيع مصر» تشبيهًا ببقيع الغرقد في المدينة المنورة. تقع البهنسا في محافظة المنيا على الضفة الغربية لفرع بحر يوسف، وتبعد نحو ستة عشر كيلومترًا عن مركز بني مزار، وقد كانت عبر العصور مركزًا للحضارة والعلم والقداسة، إذ احتضنت في ترابها آلاف الشهداء والصحابة والأولياء الذين استُشهدوا في معركة فتحها الإسلامي الخالد.
يعود فتح البهنسا إلى عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين أرسل القائد عمرو بن العاص جيشاً بقيادة زياد بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فواجه المسلمون مقاومة عنيفة من الروم والقبط في مدينةٍ كانت تُعرف بصلابتها وكثرة أبراجها حتى لُقبت بـ مدينة الألف باب. وقد سقط فيها عدد كبير من الصحابة الكرام شهداء في سبيل الله، حتى صارت تعرف بين أهل الصعيد مدينة الشهداء. ومن أبرز المدفونين في أرضها الطيبة: بمحمد بن أبي بكر الصديق، وعبد الرحمن بن أبي بكر، ومالك الأشتر النخعي، وعبد الله بن الحارث، ورفاعة بن زيد الأنصاري، وغيرهم من المجاهدين والتابعين الذين طيبوا أرضها بدمائهم الزكية.
على مر العصور، ظلّت البهنسا رمزًا للجهاد والإيمان، ومزارًا روحانيًا يتردد إليه يأتيه الزائرون من شتى أنحاء مصر ففيها المقامات العتيقة مثل مقام الشيخ فتح الباب ومقام علي الجمّام ومقام السبع بنات وحوش عشماوي، وهي أماكن ارتبطت في الوجدان الشعبي بالكرامات والنفحات الإلهية.
ولا تزال المدينة تحتفـــظ بمكانتها الروحيــــة الفريدة، إذ يقام فيها كل عام موسم ديني كبــــير يُعــــرف بـ مولد البهنسا حيث تتوافـــد إليه الجمـوع للزيارة والتبرك والدعاء.
هكذا تتجلى البهنسا في الذاكرة المصرية كمدينةٍ تجمع بين الأسطورة والقداسة بين التاريخ والروح، لتظل شاهدًا خالدًا على تواصل الحضارات فوق أرضٍ باركها الله بالشهداء والأولياء. وهي في رواية ليالي البقيع تتحول من مجرد موضع جغرافي إلى رمزٍ للخلود والهوية المصرية، ومسرحٍ حيٍّ تتقاطع فيه أزمنة الروح والتاريخ في رحلة الإنسان نحو النور والحق والخلود..!
(مدينة البهنسا ) البقيع الثاني:
تقع مدينة البهنسا في محافظة المنيا بصعيد مصر، على الضفة الغربية لفرع بحر يوسف، وتبعد حوالي 16 كيلومترًا غرب مركز بني مزار، وتُعرف تاريخيًا بأنها مدينة الأولياء والشهداء.
كانت في العصور القديمة من أشهر مدن إقليم المنيا، ولُقبت عبر القرون بـ البقيع الثاني تشبيهًا بـ بقيع الغرقد في المدينة المنورة، حيث تضم بين جنباتها قبور الآلاف من الصحابة والتابعين والشهداء الذين استشهدوا في معارك الفتح الإسلامي لمصر.
فتح البهنسا:
وقعت معركة فتح البهنسا في العام 22 هـ / 642 م تقريبًا، خلال خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
أرسل عمرو بن العاص حملة لفتح المدينة بقيادة زياد بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، أحد أقرباء الرسول ﷺ، وكان معه عدد كبير من الصحابة والتابعين.
كانت البهنسا مدينة حصينة جدًا، ذات أسوار عالية وأبواب كثيرة وقيل إنها كانت تسمى مدينة الألف باب.. حيث دارت معارك شرسة بين المسلمين والروم، وسقط عدد كبير من الصحابة شهداء في سبيل الله.
الصحابة المدفونون في البهنسا:
يقال إن في البهنسا أكثر من خمسة آلاف صحـــابي وتابعي دفنوا فيهــــا بعد الفتح الإسلامي، ومن أشهرهم:
=محمد بن أبي بكر الصديق (ابن الخليفة الأول رضي الله عنه)
=عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق
=مالك الأشتر النخعي (قائد جيش الإمام علي رضي الله عنه)
=عبد الله بن الحارث بن جعفر الطيار
=محمد بن عكاشة بن محصن الأسدي
=الحسن بن صالح بن علي، وغيرهم من كبار الصحابة والتابعين الذين جاهدوا في سبيل الله.
ولهذا السبب أُطلق على المدينة لقب « بقيع مصر» أو «البقيع الثاني»، لأنها تضاهي بقيع الغرقد المتواجد في المدينة المنورة من حيث القداسة واحتضانها لأضرحة الصحابة.. وتضم البهنسا عدداً كبيراً من المقامات والأضرحة التاريخية التي يزورها الناس من كل أنحاء مصر والعالم الإسلامي ومنها:
=مقام سيدي علي الجمّام.
=مقام الشيخ فتح الباب.
=مقام سيدي محمد بن أبي بكر.
=مقام السبع بنات – ويُعتقد أنه يضم رفات سبع من الصحابيات المجاهدات.
=مقام رفاعة بن زيد الأنصاري
=مقام حوش عشماوي (أحد الشهداء وقادة الفتح)
=مقام الشيخ محمد التوني والشيخ يوسف الكيلاني وغيرهم من الأولياء اللاحقين
----------------------مدينة البهنسا عبر العصور-----------------------
البهنسا في العصر الفرعوني:
كانت تُعرف باسم برنيسا وكانت مركزاً دينياً وعلمياً كبيراً وعُبدت فيها المقدسات المرتبطة بالإله أوزيريس.
البهنسا في العصر اليوناني والروماني:
اشتهرت البهنسافي العصر اليوناني بأنها مدينة البرديات، حيث اكتُشفت فيها آلاف البرديات القديمة التي تُعد من أهم الوثائق في التاريخ المصري والعالمي.
تاريخ البهنسا في العصر القبطي:
صارت البهنسا مركزاً مهماً للديانة المسيحية، وازدهرت فيها الأديرة والكنائس واشتهرت بأنها مدينة النور لكثرة العلماء والرهبان فيها.
البهنسا في العصر الإسلامي:
بعدما فتحت إسلامياً أصبحت مركزاً روحياً بارزاً في الصعيد، وملتقى للزائرين والمتصوفة، حيث تحولت إلى مزار روحي وتاريخي يشهد عليه حتى اليوم الزوار والموالد الدينية.
القيمة الدينية والروحية للبهنسا:
تُعد البهنسا مزاراً سنوياً يقصده الآلاف من الزائرين لقراءة الفاتحة على قبور الشهداء والصالحين.
يُقام فيها مولد البهنسا في شهر شعبان من كل عام، ويُعد من أبرز المواسم الدينية في صعيد مصر.. ويُنظر إليها باعتبارها رمزاً للجهاد والإيمان وأرضاً باركهـــا الله بالشهداء لذا يصفها الأهالي بأنها قطعة من الجنة على أرض مصر.
--------------مكانة مدينة البهنسا في الأدب والتاريخ-----------------
لقد أشار إليها عدد من المؤرخين والرحالة مثل:
=المقريزي في الخطط.
=وياقوت الحموي في معجم البلدان.
=وأيضا منهم النويري وابن عبد الحكم في كتب الفتح الإسلامي لمصر.
كما أصبحت البهنسا مصدر إلهام لعدد من الأدباء والباحثين، كان آخرهم الروائي شريف إبراهيم أحمد في روايته ليالي البقيع، التي أعادت للمكان وهجه التاريخي وقداسته الأدبية.
تقديم:
ويحيلنا الروائي شريف إبراهيم إلى روايته الجديدة ( ليالي البقيع ) .. وهي روايةٌ تُعيد تعريف الأدب بوصفه جسرًا بين التاريخ والوجدان، وبين الواقع والأسطورة حيث تتكامل عناصر الزمان والمكان والإنسان في سيمفونية سردية مفعمة بالروح المصرية الأصيلة.
يقدّم شريف إبراهيم أحمد في هذا العمل نموذجاً لروائيٍ واعٍ بدور الكلمة في صون الهوية واستعادة الذاكرة الوطنية، إذ استطاع أن يجعل من مدينة البهنسا تلك الجوهرة المكنونة في قلب صعيد مصر مسرحاً حياً يتجاور فيه صوت الشهيد مع أنين الأرض، وترتفع فيه الحكاية إلى مصاف الرمز والقداسة. فالرواية ليست مجرد سرد لتاريخٍ منسي، بل هي رحلة في الوجدان المصري، تستكشف علاقة الإنسان بالمكان، وتغوص في أعماق التراث الصوفي والبطولي والإنساني.
(ليالي البقيع) ما هو إلا عمل يفيض بالشاعرية والحنين كتبه المؤلف بأسلوب يمزج بين جمال اللغة بنقاء الفكرة، ويعتمد على البناء الدائري والتناوب بين الحكايات لتشكيل نسيجٍ حكائيٍّ متعدّد الطبقات، يعكس خبرة فنية رفيعة ورؤية فكرية عميقة فقد أظهر الكاتب براعة في تطويع التاريخ ليخدم الفن لا أن يقيده فجاءت الرواية أقرب إلى أن تكون سيرةً روحانيةً لمكانٍ مقدّسٍ اسمه البهنسا ومرآةً لروح مصر الخالدة التي لا تموت..!
وبهذا العمل التأريخي الهام يرسخ شريف إبراهيم مكانته في المشهد الروائي المصري والعربي ككاتبٍ يؤمن بأن للأدب رسالة وذاكرة وهوية، وأن السرد يمكن أن يكون صلاة على تراب الوطن، واحتفاءً بقداسة الإنسان وتاريخه .. حيث يتكلم التراب، ويصغي التاريخ، وتنصهر الأسطورة بالحقيقة، لتولد من رحمها ملحمة إنسانية خالدة عنوانها( ليالي البقيع) ..!
والرواية هنا أحبتي الغوالي ليست سرداً تاريخياً بقدر ما هي رحلة في الذاكرة الجمعية المصرية إذ يستحضر الكاتب الماضي في صورة أسطورة متجددة تتغلغل في الحاضر، ويجعل من السرد وسيلة لإحياء روح المكان المقدس عبر حكايات الأم للأبن خالد، الذي يمثل جيلاً جديداً يبحث عن ذاته في ظلّ إرث عظيم.
البنية السردية وتعدد الأصوات في رواية ( ليالي البقيع):
تقوم الرواية على تعدد مستويات الحكاية، حيث تتناوب الأصوات بين السارد العليم والأم الحكّاءة والطفل المتلقي. هذا التعدد يعمّق من الرؤية الزمنية، ويجعل من النص سردًا دائريًا تتداخل فيه الحكايات ضمن إطار أمومي أسطوري يشبه ألف ليلة وليلة.
البنية الزمنية في الرواية:
الزمن في الرواية غير خطي ..ويمتدّ من عصور الفراعنة والرومان إلى العصر الإسلامي الحديث. يعمد الكاتب إلى تفكيك الزمن وجعله متراكبًا، بحيث تُصبح الحاضر والماضي رؤيتين متكاملتين لذات المكان. فكل حكاية تُروى هي طبقة جديدة من طبقات التاريخ التي تراكمت في ذاكرة البهنسا..!
اللغة في رواية ليالي البقيع والأسلوب:
استخدم الروائي شريف إبراهيم لغة شعرية حسية مشبعة بالصور، تزاوج بين فصاحة التراث ودفء العامية الصعيدية في الحوارات. الجمل مشحونة بالإيقاع والرمزية، ويبدو السرد وكأنه صلاة أو ترنيمة روحية، خاصة في المقاطع التي تصف المقامات والقبور والأسواق والمواسم.
المكان بوصفه بطلاً في الرواية:
(البهنسا ) هذه المدينة المقدسة ليست مجرد خلفية للأحداث بل هي الذات الفاعلة التي تحرك السرد فهي مدينة الأولياء والشهداء التي أطلق عليها(البقيع الثاني)..
وتعد مرآة لتاريخ مصر الروحي والحضاري فهي كائن حيّ يتنفس بهذه بالأساطير مثل: (حوش عشماوي، شجرة مريم، معبد السمكة المقدسة، سوق الخميس).
ومن هنا يتحوّل المكان إلى رمز للخلود والذاكرة الجمعية، وتصبح العلاقة بين الإنسان والمكان علاقة وجدانية تتجاوز المادي إلى الروحي، فيرى خالد في البهنسا أمه الأولى التي تغذيه بالحكاية والهوية.
البهنسا بين الأسطورة والتاريخ:
برع الروائي (شريف إبراهيم) في دمج الأسطورة بالوقائع التاريخية دون أن يفقد النص اتزانه الواقعي. فـ"السمكة المقدسة" رمز للخصب والخلود، و"بهاء النساء" تمثل الحكاية الشعبية التي تؤصل لاسم المدينة، بينما يعيد "فتح البهنسا" استحضار المرويات الإسلامية عن الشهداء والصحابة الذين دفنوا فيها.
وهذا التمازج بين الأسطورة والتاريخ يعبّر عن رؤية تأويلية للتاريخ: فالحقيقة في الرواية ليست حدثًا ماديًا، بل معنى رمزيًا يُعيد القارئ اكتشافه عبر الحكاية.
الثيمات والدلالات في رواية ( ليالي البقيع ):
وهنا تسعى الرواية لتثبيت الهوية الوطنية والدينية من خلال استعادة تاريخ البهنسا كرمز للمقاومة والقداسة.
العلاقة بين المرئي والخفي في الرواية:
يتكرر حضور الجن والأرواح والمقامات لتأكيد أن العالم المرئي ليس سوى ظل لعالم روحي أكبر.
الأم بوصفها الراوية والذاكرة:
الأم هي "الراوية الكبرى" التي تحافظ على الحكاية، فتمثل الذاكرة الشعبية والهوية الأنثوية الحافظة للتاريخ.
الطفل خالد كرمز للوريث:
خالد يمثل الأجيال الجديدة التي تتلقى الحكاية، فيتحول من مستمع إلى حامل لرسالة الأرض والتراث في الموروث .
البحث عن القداسة في الواقع:
ونقول بأن كل حكاية تفضي إلى تأكيد أن المقدس لا ينفصل عن اليومي، وأن في تفاصيل الحياة البسيطة (السوق، المدرسة، رمضان، المولد) تجليات للنور الإلهي.
الرؤية الفكرية والفلسفية في الرواية:
يقدّم الكاتب رؤية توحيدية ترى في التاريخ المصري وحدةً بين الديني والإنساني بين الإسلام والمسيحية والفرعونية، إذ تتجاور الرموز الثلاثة في نسيج واحد دون تناقض فالبهنسا كما يصوّرها هي مصر الصغرى التي جمعت كل دياناتها وأزمنتها في تربة واحدة، مما يجعل الرواية دعوة إلى التسامح الروحي والوعي بالانتماء للدين وللوطن .
الخاتمة:
من منظوري النقدي: يمكن تصنيف رواية( ليالي البقيع ) ضمن أدب الهوية التاريخية والواقعية السحرية المصرية، التي تصنف إلى جانب أعمال صنع الله إبراهيم وإبراهيم - وعبد المجيد التي تشتغل على استعادة المدن في الذاكرة الأدبية
إلا أن تميّز شريف إبراهيم يكمن في نقل مركز السرد من المدن الكبرى إلى الريف الصعيدي، وإضفاء قداسة على المكان المهمّش، ليعيد الاعتبار لتاريخ الجنوب بوصفه مصدر النور الروحي لمصر.
وقد تجلّت في هذا العمل الأدبي قدرة الكاتب على استلهام التراث وتحويله إلى طاقة تخييلية تُضيء الحاضر وتستشرف المستقبل .. فالكاتب لم يُقدّم التاريخ بوصفه مادة جامدة، بل أعاد تشكيله بلغةٍ تفيض بالشعر والرمز والإيحــاء، فصـــار النصّ أشبه بملحمة مصرية تمزج الواقعي بالأسطوري..!
إن رواية ليالي البقيع ليست حكاية مدينة فحسب، بل هي حكاية وطنٍ بأكمله يتجدد في الذاكرة والوجدان، وهي مرثية حبّ وولاء للتراب الطاهر الذي احتضن الشهداء والأولياء والعابرين في دروب النور وبقدر ما حملت الرواية من عبق الماضي، فقد فتحت أفقاً جديدًا للأدب المصري في قدرته على المزاوجة بين الوثيقة التاريخية والخيال الفني، وبين الحكاية الشعبية والتأمل الفلسفي.
وأختتم فأقول: بأن (شريف إبراهيم أحمد) قد أهدى للأدب العربي عملاً متفرّداً في رؤيته، نابضاً بصدق التجربة وعمق الانتماء، عملًا يرسّخ اسمه بين الأصوات السردية التي تكتب من نبع الوطن وروح الأرض، لتبقى رواية البقيع الثاني في رمزاً للخلود ونوراً لا ينطفئ في الوجدان المصري حيث حوّل القرية الصعيدية إلى بقيع آخر تمتدّ فيه حياة الشهداء والسلف والخلف إنها رواية عن الانتماء، والإيمان والحكاية التي تحفظ الروح من الفناء للخلود..!!
*دكتوراه في الادب العربي المقارن



