ثقافة

ام كلثوم في الساعة السادسة والنصف بتوقيت سجون الاحتلال

9 مشاهدة
ام كلثوم في الساعة السادسة والنصف بتوقيت سجون الاحتلال

الكاتب : عيسى قراقع

في كتابه: ام كلثوم في تجربة المعتقلين الفلسطينيين، تناول الكاتب د. حسن عبد الله ابداع آخر من المقاومة التي سطرها الأسرى داخل السجون، أنها المقاومة الروحية، المقاومة ضد البلادة والجفاف العاطفي وتجميد الاحساس في زمن الأسير المغلق والمتكرر خلف آلاف الابواب، المقاومة بالإستماع إلى صوت الاغنية، صوت المطربة ام كلثوم وهي تزور الاسرى كل مساء، حاملة لهم معونات وجدانية وعاطفية عبر الاثير والهواء.

في السبعينيات والثمانينيات كان للجدران اذن واحدة تصغي وقلب واحد يخفق خارج الزنزانة، وفي الساعة السادسة والنصف بتوقيت سجون الاحتلال كان الزمن الموازي للاسرى ينكسر، وكانت إدارة السجون تظن أنها توزع برنامجا ترفيهيا بفتح الراديو على محطة اسرائيل وتبث اغاني ام كلثوم، لكن الاسرى تسلقوا على كلمات الاغاني وخرجوا معها إلى رحاب الفضاء.

الدكتور حسن يوثق اللحظات الحميمية للأغنية التي تغلبت على القيد والسيف في زمن منعت فيه الاغاني والكتابة والثقافة والقلم والكتاب، وخنق الصوت في حجرات اسمنتية، اغنية ينتظرها الاسرى وهي تتسلل كغيمة مشبعة بالماء من مصر العروبة، تملأ فراغ الوقت وتعيد شحن اوتار الحنجرة والقلب.

ايقاع وطني وقومي وإنساني أعلى من أصوات المتفجرات والصواريخ، خارج نظام السيطرة والرقابة والقمع والتفتيشات، خارج تجريد الإنسان من إنسانيته وتحويله إلى مجرد رقم او لا شيء، خارج سياسة صهر وعي وذاكرة الاسرى وتحويلهم إلى مجرد جثث تنتظر الموت، أنه صوت ام كلثوم في المكان الأكثر قسوة وتشديدا، صوت يفتح الباب ويدخل إلى غرف الاسرى فيعيد احياء الأنفاس والارواح، ايقاع فلسطيني ولحن رباني، ونبرة ناصرية عروبية تقطع الحدود والاسلاك وتكسر الحصار، تعانق الاسرى كل مساء: إلى فلسطين خذوني معكم، اصبح عندي الآن بندقية.

في السجون وفي الساعة السادسة والنصف كل مساء تضع ام كلثوم جدول أعمال للقلب: الهدوء التام، الاصغاء، التدخين على مهل وشفط القهوة الباردة، غياب مطلق للسجن وتلاشيه من المكان، كلمات اقبل الليل والف ليلة وليلة تفتح نوافذ أخرى في زنزانة معتمة وتحلق في سماء لا يراها السجان.

اذا كان هناك ست جهات في الحياة البشرية وجميعها في السجن مغلقة، فإن ام كلثوم فتحت للاسرى جهة سابعة يتمكنون من خلالها الخروج من الأسوار على خيال الذكريات والأحلام والحب احرارا على جناح اغنية.

يقول أحد الاسرى: سمعت ام كلثوم في السجن فحفرت نفقا اوصلني إلى مدينة الناصرة، وآخر يقول: سمعتها فالتحمت مع نفسي وهمسي وخوفي حتى كتبت على وقعها رسالة وقصيدة، وذلك الأسير شعر أن الحنين ينفجر في شرايينه حتى التقى مع أولاده واجتمعت العائلة، سمعت ام كلثوم فكان لي موعد مع حبيبتي الجميلة، أدركت قوة النشيد وقدرة سكان النشيد على إعادة صياغة الواقع الجديد.

الكاتب وهو يوثق هذه التجربة في حياة الأسرى يريد أن يقول: أن ام كلثوم في تلك الساعة لم تكن مطربة فقط، بل كانت فكرة، وان الجمال لا يسجن، الزمن لا يملكه الحارس دائما، الروح حين تسمع صوتا يشبهها  تحلق فوق الجدران وكأنها غير مقيدة، تفتح الباب بمفتاح اغنية.

ام كلثوم كانت رسالة للاسير تقول له: أن القهر قد يسيطر على جسدك، لكنه لا يملك نغمة داخلك، النغمة هي إرادة الحرية حين تصبح صوتا، يقول محمود درويش: وانا استمع الى الموسيقى تتفتح حولي حدائق فتصير النغمة زهرة اسمعها بعيني، للصوت صورة وللصورة صوت متدرج متموج ابعد من مجاز ادبي، يخرج القرنفل من احواضه لتعويض الغريب عن خسارة منسية.

خلال حرب الإبادة على قطاع غزة منعت اسرائيل ام كلثوم من دخول السجون، صادرت الراديو والتلفاز وجردت الاسرى من كل مقومات الحياة، استبدلت صوت ام كلثوم بصوت التعذيب والموسيقى الصاخبة والمزعجة، وأصوات الهراوات والقنابل والضرب والتكسير، عزلت الاسرى وأصبح الاخفاء والصمت أشد وسائل العقاب ووسيلة لحرمان الاسير وإحساسه بتدفق الزمن.

اختفت ام كلثوم في حرب الإبادة وطغى صوت الصواريخ، محو حضور الحياة وعبور الاغنية، لهذا قتلت اسرائيل المغنين والفنانين والكتاب والموسيقيين في غزة، ربما تكون ام كلثوم قد القي القبض عليها ولا زالت معتقلة في سجن سدي تيمان الرهيب، لقد سجنوا نبض العالم.

ماذا يريد الكاتب أن يقول لنا في هذا الكتاب؟
اولا: الأسرى الفلسطينيون قاوموا السجن ليس فقط بأجسادهم بل بعقولهم ومشاعرهم واشواقهم وذواتهم، فلم يسمحوا للسجن أن يتغلغل إلى دواخلهم، الأغنية والاستماع مقاومة أخلاقية وتحرر داخلي وهي أهم أنواع المقاومة.
ثانيا: حين تصغي لفن يلمس اعماقك توقظ المستعمر داخلك، مشاعرك التي تظنها ميتة تنتظر إشارة لتنهض، أنه الاكتمال الإنساني الذي ينتصر على الدبابة والمعسكر.
ثالثا: الانصات في ارض الموت مقاومة،فالاستماع الفاعل موقف وجودي، رفض الامتثال والخواء العاطفي، تحويل الالم إلى جمال وسلاح في وجه القبح والبشاعة، الموسيقى تذيب الجليد والجمود وتعيد تعريف القوة، الجرح يغني حتى يشفى.
رابعا: حين يستمع الأسير إلى اغنية لا يسمع الكلمات فقط، بل يستعيد نفسه التي يحاول السجن محوها، يصبح الصوت حماية للروح والذاكرة من الموت البطيئ، فالسجان يستطيع أن يقيد الجسد، لكنه يخشى دائما من الأشياء التي لا يمكن تقييدها: الخيال والحنين والموسيقى والحب والذكريات.
خامسا : الأغنية حركت ساعة السجن الواقفة وكسرت روتين الايام المتشابهة، واعادت ترتيب الوقت نفسيا، ام كلثوم اشعرت الاسير أنه جزء من العالم، لذلك كثير من الاسرى كانوا يتعاملون مع اغاني ام كلثوم كأنها رسائل سرية من الحرية.