ثقافة

توفيق زيّاد حين يزداد الحضور

7 مشاهدة
توفيق زيّاد حين يزداد الحضور
 
الكاتب: تحسين يقين
كان للاسم وقع على القلب والعقل للفتى الذي كنته، وللملايين من أعمار مختلفة؛ فقد كنا نراه العملاق الفلسطينيّ الذي نحتمي به وبكلماته الحادّة، حيث كنّا نراه دوما على المنابر مقاوما للاحتلال الشّرس على شعبنا إلى آخر مدى.
كان جيلنا بعد هزيمة عام 1967 محروما من تعلّم أي شيء عن فلسطين، لكنّها بكل بهائها وصلت إلينا من خلال المبدعين من الشعراء والكتاب والرسامين، ومن أغاني التراث والحريّة. في هذا السياق ثمة ما نجا من نصّ لم يشطبه مراقب الاحتلال من كتاب النحو. حمل النص عنوان "من وراء القضبان". كان القصيدة من الشعر الحرّ، لكنني ما إن قرأت النص المقتبس لغاية نحويّة، حتى حفظت النص، ورحت أردده، وألقيه:
"يا حامل المفتاح
ما شوقي لأكل أو شرابِ
كلا ولا للقاء أمّ
قد تعوّدت اغترابي
لكنه للشارع المطلول فيه
دم الشّباب
زحفت جوانبه بشعب
غير محني الرقاب"
وقتها، عرفت أن حامل المفتاح هنا هو السّجان، ووقتها عرفت أن هذه المناضل الذي نسمع به هو شاعر عظيم أيضا.
لم أكن أتصوّر أنه بعد بضع سنوات، سأكون قربه لا يفصلني عنه سوى متر، كان ذلك في أمسية شعريّة من أمسيات معرض القاهرة الدولي للكتاب 1989، حيث ألقى عددا من قصائده، أتذكّر منها بشكل خاص: "سرحان والماسورة". لقد تركت القصيدة لديّ وعيا عميقا، لدى طالب الأدب العربي في السنة الثانية الذي كنته، حيث تعلمت معنى إضافيا للشعر، فقد قرّب زيّاد الشّعر والوطن منا.
تتناول القصيدة بطولات المقاوم سرحان ورفاقه في مواجهة الاحتلال البريطاني والعصابات الصهيونية مستخدمين بنادقهم البسيطة. كلمة "الماسورة" في عنوان القصيدة تشير إلى ماسورة البندقية (فوهتها) التي كان يقاتل بها. لقد خلّد توفيق زيّاد سيرة المناضل "سرحان حسين العلي" من بيسان الذي استشهد عام 1938:
لم يعد سرحان من ليلته تلك ‏
ولكن في الصّباح ‏
نشرت بعض الجرائد: ‏
‏نسف ماسورة بترول بتل الحارثية ‏
فجَّر الأنبوبة إرهابيّ مطارد
وجد البوليس بعد البحث ‏
رجلا بشريّة
وبقايا بندقية ‏
وهوية ...‏
اسمه الكامل سرحان العلي ‏
من عرب الصقر
ولكن بعد لم تعرف ‏
تفاصيل القضية ‏
والبقية ...‏
في غد نأتي إليكم بالبقية
في تلك الأمسية، وبالرغم من حداثة سني، فقد رأيت الشاعر قاصا وروائيا، من حيث قدرته، من خلال الشعر، على تصوير سيرة سرحان. قصيدة تسرد قصة شدتنا وحضور الأمسية في ليلة باردة من شتاء 1989. قصة سرحان البدويّ وأثر التحوّلات عليه، كيف كان يحيا، وكيف امتلك الوعي بعد تجربة الألم سببها له الاحتلال البريطانيّ، الذي دفعه للفعل الوطنيّ المقاوم.
بعد انتهاء الأمسية، جلس أبو الأمين الذي كان يدخل الستين من عمره، ليوقّع ما تبقى من دواوينه في المعرض. رحت أهمس لنفسي بما حفظته: "يا حامل المفتاح.."، ورحت أتأمل الشاعر المناضل عن قُرب، والذي كان مرهقا بعد الأمسية. كانت ترافقه زوجته نائلة. قلنا لبعضنا بعضا: لعله يستريح!
كان الأمل هو اللقاء عن قرب في الناصرة والقدس، كما حدث والتقينا مع الكاتب إميل حبيبي، لكن ذلك لم يحدث، إذ رحل الشاعر في طريق القدس أريحا، تاركا لنا الوطن كله.
كان توفيق زيّاد في طريقه لبلديّة الناصرة، كلما وجد أطفالا ذاهبين للمدرسة شتاء، يركبهم بمركبته المتواضعة، هكذا روى لنا من كانوا أطفالا ذات يوم، ليتعمّق لديّ شعره في قصيدة "المغني":
وأُعطي نصف عمري، للذي
يجعل طفلاً باكياً
يضحك
وأعطي نصفه الثاني، لأحمي
زهرة خضراءَ
أن تهلك
لم يصف من قبل أحد مثل هذا النبل، حيث قسم عمره لفرح البراءة والوطن الجميل. ستصير القصيدة أغنية، بل أغنيات تنشر لتظل في السمع والبصر.
كنا نصعد جبل الكرمل مع الكاتب أسامة العيسة، كنت أدخل الثلاثين، في ربيع عام 1997، حين بحثت عن المعتقل الذي سجن فيه توفيق زيّاد ورفاقه عام 1958. كنت في مثل عمره إذن حين كتب "من وراء القضبان"، ترى من أي مبنى هنا رأى توفيق زيّاد جبل الكرمل؟ من الشاطئ أم من الجبل؟ تذكرت تلك القصيدة الرائعة التي كانت أول لقائي به:
دارت يدُ السجان بالمفتاحِ،
تغلق كل باب
إلا بقايا كوةٍ
من خلفها تبدو الروابي
ويلوحُ رأس الكرمل المخمور
بُرقعَ بالضبابِ
الفجرُ فوق جبينه المعتزِ
كالعاج المذاب
وتلوح بين شعابه الخضراء
في كتف الهضاب
أعشاش عشاق تطوف حولها
قُبل الشباب
وأزاهر مكحولة، وكأنها
مُقل الكعاب
والريح تهمس
للصنوبر، للبراعم، للغياب
يا طيب تلك الوشوشاتِ
كأنها همس التّصابي
غمرت جوانحها، فهاجت
باذدكارات عذاب
كتبها توفيق زيّاد هو يطل من تلك "الكوّة" الصغيرة في المعتقل، التي ظهر منها الكرمل الكبير وحيفا، كان وقتها شابا عاشقا في آخر العشرينات، يقبل على الوطن والجمال والحب. لم يسجنه السّجن، لا قلبه ولا روحه، فقد حررته العين التي تنظر للحياة هنا فامتلأ بها وحلّق تركا السجان في سجنه>
بعد 32 عاما على الرحيل المفجع، يزداد حضور الشاعر الكبير توفيق زيّاد، كما يزداد حضور وطنه، وأطفال الوطن الذي قسم عمره بينهم وبين حماية الزهر الأخضر.
 
 
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.