ثقافة

عندما تنطق الحروف من تحت الركام: أدب المواجهة الوجودية بعد أحداث السابع من أكتوبر

77 مشاهدة قراءة 7 دقيقة

الكاتبة : د .إيمان عبدالكريم حجازي

جزء"1"

قبل السابع من أكتوبر، كان الأدب الفلسطيني كنزاً ثميناً لمكاتب الترجمة، المترجمين ودور النشر. لقد كان الادب الفلسطيني يُقرأ غالباً في التضامن العربي والعالمي التقليدي، لكن بعد هذا التاريخ، تضاعف الطلب العالمي على ترجمة الروايات الفلسطينية سواء القديمة أو الجديدة إلى لغات العالم منها الإنجليزية، الفرنسية، الألمانية. لم يكن الهدف الجوهري من الترجمة الترفيه، بل تقديم كوثيقة سياسية وإنسانية تدحض الرواية الإسرائيلية. في روايته الشهيرة مملكة الفراشات، الروائي الجزائري العظيم" واسيني الأعرج “عَبر عن الكتابة في زمن النكبات و الحروب قائلاً :" الكتابة في زمن الحرب هي الأداة الوحيدة لترميم الشروخ التي تتركها الشظايا في قلوبنا" . وهنا يطفو للسطح تساؤلات عدة تتعلق بتعمد ألة الحرب الإسرائيلية اغتيال الادباء في اللحظات الاولى للعدوان على غزة, لقد أعطت دماء الكتاب والمترجمين والروائيين الذين تم استهدافهم واستشهدوا في هذه الحرب مثل البروفيسور المترجم صاخب مبادرة "نحن لسنا أرقاما " رفعت العراعير, زخمًا قاسيًا للنصوص التي تركها؛ حيث تحولت كتاباته الأخيرة إلى وصايا أدبية تُرجمت إلى عشرات اللغات، وأصبحت أرضية ملهمة للأجيال الشابة من الكتاب لمواصلة التدوين كمقاومة أخيرة ضد المحو و الطي في مذكرات النسيان. أما أحداث السابع من أكتوبر( 2023) وما تلاها فقد شكلت أرضا خصبة لنقل صور واقعية لحرب طاحنة ونزوح جماعي. لقد أحدثت تلك الأحداث هزة عميقة في الوعي الأدبي والجمالي تفوق بكثير ما أحدثته نكبة 1948 ونكسة 1967.في هذا السياق، تحول الأدب الفلسطيني من "أدب الحنين والانتظار وحلم العودة " إلى "أدب الشهادة الحية والقصف الفجائي والمواجهة الوجودية" . استنادا على تلك الاحداث، مازال يشهد الادب الفلسطيني قفزة نوعية في توثيق العدوان ، النزوح، والوجع اليومي النازف باستشهاد الأبناء والبنات أمام الاعين . ظهرت العديد من الروايات كأداة للمقاومة الثقافية وصون الذاكرة من الإبادة. من قلب الحدث كاستجابة فورية،  نقل الراوي نفسه من دور الروائي إلى شاهد عيان يعمل على دمج و توثيق الإبادة و ربطها بالخيال الأدبي لتخليد المأساة اليومية التي يعايشها الشعب الغزي . لنبدأ بالروائي أيمن العتوم، ففي روايته التي صُنفت كرواية رعب، والصادرة عام ٢٠٢٤ "الرعب: حكاية الحرب في غزة" , قدم العتوم توثيقا مُفصلا لمعاناة أهل غزة و دمار القطاع الإنساني والدمار الإنساني في القطاع استناداً لشهادات حية قادمة من القطاع . أما الرواية التي بعنوانها المؤلم لامست قلبي" و اختفي أنف أبي" للكاتب خليل ناصيف والتي صدرت عام ٢٠٢٥ . ففي هذه الرواية ,قُدمت تجربة سردية مبتكرة بطريقة إبداعية و بشفافية حيث تعمد ناصيف بالعمل على تفكيك الواقع المعقد عبر أساليب غير تقليدية لمواجهة عبثية المشهد الإنساني في فلسطين وبشكل خاص في القطاع المكلوم . وبالذهاب الي أحد الروائيين الغزيين, الدكتور أًسامة الفرا , والذي قدم نموذجا حيا للإبادة قي رواية تحملُ عنوانا استثتائيا "سماء غزة من زجاج" . تعتبر هذه الاخيرة واحدة من أبرز الأعمال السردية المعاصرة لكونها خرجت من الرحم المثًقل بالمعاناة الإنسانية في قطاع ٍ صغير اسمه غزة. حيث تطرح الرواية أسئلة تتعلق بالوجود الفلسطيني لكونه وحيدا في مواجهة الحرب, والنزوح, ومحاولات الاقتلاع من الجذور , والتي تصل الى حد التطهير العرقي . فالروايات التي وُلدت من رحم الإبادة , لا تقدم نصا أدبيا متخيلا, بل هي تحويل المشاعر المكتومة الي سطور من الكلمات و تحويلها إلى أبنية محروقة ومقصوفة ووصف طرقات مدمرة. بل وصلت الي حد الصراخ باسم غزة لتؤكد أنها "ليست مجرد نقطة على خريطة، بل هي حكاية صمود لا ينكسر، وآخر ما تبقى من الحقيقة المؤلمة بآتها تُركت وحيدة أمام اعتى آله حرب في عصر التكنولوجيا .لم تعد الرواية مجرد ترف فكري, بل على النقيض , تحولت سردية الروايات إلى وثيقة إدانة للاحتلال و العدوان الفاشي والغاشم الى صوت لمن غيبهم الموت , او لمن لا صوت لهم , مما نقل الواقع الغزي الحقيقي إلى وعي الشعوب الغربية و لكسر التضليل الإعلامي. هذا ما حدث حين خرجت شعوب العالم اجمع ضد الإبادة وما يحدث في فلسطين. ومازالت المظاهرات صاحبة التأثير الأقوى على الحكومات .و للحديث نهاية.

إن أحداث السابع من أكتوبر , لم تكن مجرد حدث سياسي, بل كانت زلزالاً وجودياَ ونجح في جعل الرواية الفلسطينية والسرديات اليومية خط الدفاع الأول عن الهوية الفلسطينية .وننتهي عند مقولة إبراهيم نصر الله من رواية "زمن الخيول البيضاء “أنا لا أقاتل كي أنتصر، بل كي لا يضيع حقي.. الخسارة الحقيقية هي أن ننسى من نكون."

المراجع :
أسامة الفرا: (٢٠٢٦). سماء غزة من زجاج. مكتبة مدبولي. 

 الأعرج ,و (٢٠١٣). مملكة الفراشات (ط. 1). دار الآداب

أيمن العتوم: (٢٠٢٤) : حكاية الحرب في غزة 2023-2024. دار الفتح للدراسات والنشر
ناصيف ,خ. (٢٠٢٥). اختفى أنف أبي. دار الرقمية للنشر والتوزيع. 
نصرالله، إ.(٢٠٠٧) . زمن الخيول البيضاء