الكاتب : زكريا نمر
تظل الكتب من أولى المواد التي فتحت الآفاق أمام الناس، سواء كانوا من العوام أو المثقفين. إنها ليست مجرد أوراق مصفوفة داخل غلاف، بل هي عوالم كاملة، ومصابيح تنير العتمات، وجسور تعبر بها الأرواح من ضيق اللحظة إلى رحابة المعنى. منذ أن استوت الكلمات على سطور، صار الكتاب مرآة للأفكار، ووسيلة لتحرير الوعي، وصوتاً يعلو حين يخفت كل شيء.
لقد فتحت الكتب مدارك جديدة، ومسارات مختلفة، ودروباً يحدوها الأمل، والحرية، والمساواة، والثورة، والسلام. فمن يقرأ، لا يعود كما كان إذ تصبح عينه أكثر حدة، وأذنه أكثر وعياً، وقلبه أكثر جرأة. القراءة ليست فعل تسلية عابر، بل مقاومة صامتة، وحوار مع الماضي والحاضر، واستعداد لما هو آت. كل كتاب يحمل في طياته شيفرة من شيفرات التغيير، وكل قارئ حقيقي هو مشروع إنسان أكثر انفتاحاً وقدرة على التأمل والاختيار.
وللكتاب المقروء أهمية خاصة لا تضاهى في تنوير الشعوب وتحرير العقول. فقد كانت الحركات الفكرية الكبرى، والتحولات الاجتماعية الجذرية، تبدأ غالباً من حبر على ورق. من "جمهورية أفلاطون" إلى "رأس المال" لماركس، ومن كتابات ابن خلدون إلى أفكار فرانتز فانون، لم تكن الكتب ترفاً فكرياً بل أدوات لمساءلة الواقع، وهدم البنى المهترئة، وبناء الإنسان الجديد.
غير أن علينا أن لا ننسى، أنه في مجاهل التاريخ، كان الكتاب حراماً وخطيئة تستحق الحرق. شهد العالم عصوراً حرمت فيها الكلمة الحرة، ومزقت فيها الصفحات، وأضرمت النيران في المكتبات كما في العقول. من مكتبة الإسكندرية التي احترقت، إلى كتب ابن رشد التي أحرقت في الساحات، إلى الرقابة التي لا تزال حتى اليوم تطارد الكلمة في ثيابها الجديدة. كان الخوف من الكتاب حقيقياً، لأنه يهدد الأنظمة المغلقة، ويربك المطلقات، ويزرع الشك في التقاليد الجامدة.
ومع ذلك، ظل الكتاب يولد من تحت الرماد، ويتسلل خلسة بين الأزمنة، يحمل في صفحاته بذور الثورة وماء الوعي. وربما لهذا السبب بالتحديد، لا تزال القراءة فعلاً تحررياً في جوهرها، ولا تزال الكتب تقاوم، وتبعث، وتكتب من جديد.
الكتاب ليس ماضياً انتهى، بل مستقبل يعاد تأليفه. ففي زمن الشاشات والرقمنة والذكاء الاصطناعي، لا يزال للكتاب الورقي تلك اللمسة الحميمة، وذلك الحضور العميق، كأنه ينبض بالحياة كلما لامسته يد قارئ. في زمن تتكاثر فيه الضوضاء، يبقى الكتاب واحة صمت تأملي، ومساحة حرة تصغي فيها إلى ذاتك وإلى الآخرين بصدق نادر.
إن مسؤوليتنا اليوم لا تقتصر على القراءة فحسب، بل على الدفاع عن الكتاب بوصفه أحد معاقل الوعي، وتعزيز حضوره في المجتمعات، وإتاحة الفرصة للناس، كل الناس، ليكتشفوا به طريقهم إلى ذواتهم، وإلى العالم.



