عام 2007 زرت الكاتب الكبير "صنع الله إبراهيم" في بيته الذي يقع على أطراف حي مصر الجديدة - بالقرب من شارع جسر السويس - شرق القاهرة. كان معي زميل مصور - لا أذكر اسمه الآن - الساعة كانت العاشرة صباحاً في يوم صيفي شديد الحرارة. دخلنا إلى باب العمارة. سألني الزميل قائلاً:
" هل العمارة بدون أسانسير"؟
قلت:" نعم". سأل:" وفي أي دور يسكن"؟ قلت: في الدور السابع - أرجو ألا تكون خانتني الذاكرة وهى كثيراً ما تخون" - فقال وهو يضع يده على رأسه:
" يا نهار أغبر .. يعني هنطلع سلم"؟ قلت:" الأستاذ"صنع الله" يستحق أن نطلع له القمر"؟ رد بغضب مكتوم:" يعني هنطلع القمر بسلم؟.. يعم ابقى اطلع لوحدك..هو (أوردر) ما يعلم بيه إلا ربنا..اتفضل خلينا نطلع". وبعد رحلة السلم الشاقة لزميلي والعادية بالنسبة لي صعدنا ووقفنا أمام باب الشقة.
•••
على الباب صورة للقدس وحركة كفاية( أيام ما كان فيه (حركة) وأيام ما كان فيه "كفاية" ). استقلبني"صنع الله إبراهيم" في صالة صغيرة تدل على أن الشقة متوسطة قد لا تزيد عن 80 مترا تقريباً. جلسنا وأجريت الحديث الذي نشرته في حينه بصحيفة الوفد ( أيام ما كان فيه (صحافة) وأيام ما كان فيه( وفد ) وأذكر يوم النشر اتصل بي الأستاذ الكبير"محمود عوض" وسألني:
" هل اتصلت بالأستاذ صنع الله تخبره بنشر الحوار اليوم"؟
قلت:" لا". رد:" خطأ..اتصل به لأنني اعتقد أنه لم يشتر الجرنال". وبالفعل فعلت، وبالفعل أرسل واشترى الجرنال، وقرأ الحوار الذي أسعده كثيراً بالقدر الذي أسعدني أيضاً.
•••
ونحن عائدان أنا وزميلي المصور سألني:" يعني الأستاذ "صنع الله" معندوش غير الشقة - وأشار مرة أخرى لعدم وجود أسانسير - اللي قطعت نَفَسْنا دي"؟ ثم أكمل:" أمال ازاي بتقول عنه كاتب كبير"؟ ثم قال:" طيب ده فيه زملاء صحفيين وكتاب الواحد فيهم مبيعرفش يكتب جملة صحيحة، وعنده بدل الشقة عمارة"؟ ضحكت ونحن نلف في الشارع نبحث عن السائق الذي فصل هاتفه الجوال ( عثرنا عليه في شارع جانبي يتحدث مع فتاة عشرينية تبيع الجبنة والسمن البلدي).وعندما وجدناه قال:
" شوف الجمال الطبيعي..حاجة بلدي على أبوها) فضحكنا وانطلقنا.
•••
في السيارة ونحن في طريق العودة قلت للزميلين ( المصور والسائق):"صنع الله إبراهيم"لو أراد أن يسكن في المنتجعات السياحية..لسكن
ولو أراد السكن في فيلا...لسكن.
ولو أراد أن يسكن في شقة 500 متر .. لسكن.
لكنه رفض كل ذلك (ليسكن) في قلب وعقل وضمير مصر التي أحبها وكتب وأخلص في حبها..
لقد رفض في عام 2003 مبلغ جائزة قدره ( مائة ألف جنيه مصري تعادل وقتها 24 ألف دولار تقريباً) لا لشيء سوى لمبدأ عاش له، وموقف تمسك به، ورأي كان يقوله بصدق وقناعة.
اليوم"صنع الله إبراهيم" - الذي تجاوز 80 سنة - يرقد في مستشفي معهد ناصر لاستكمال رحلة علاجه( ومصر لم تنسه لأنها تعرف حبه لها) وكل تلاميذه وكل محبيه في مصر والوطن العربي يتمنون له السلامة.
•••
وأذكر بعد إجراء الحديث مع الأستاذ صنع الله إبراهيم وصلت بنا السيارة إلى ميدان رمسيس وودعت الزميلين ( المصور والسائق) ونزلت لأستقل المترو عائداً إلى بيتي.. وأنا أودعهما سألني السائق مرة أخرى قبل أن يتحرك قائلاً:
" قلت لى هو رفض جائزة قيمتها كام يا أستاذ"؟
رديت:" مائة ألف جنيه".. فهز رأسه وتمتم بكلمات لم أسمعها وهو في طريقه للتحرك بعدما ضغطت خلفه السيارات والحافلات بالكلاكسات بسبب توقف حركة السير في الشارع؛ فيما ترجلت في الميدان وكانت مصر الأصيلة التى رأيتها في عيون البسطاء وهم يتجهون إلى محطة مصر - السكة الحديد - ومحطة مترو رمسيس - وكأنهم يشعرون، ويعرفون، بقيمة، ووطنية، وصدق، صنع الله إبراهيم.. وهم أنفسهم - اليوم - الذين يدعون له بالسلامة من قسوة المرض...أو هكذا أتصور.
* خيري حسن
--------------------
•• الأحداث حقيقية والسيناريو من خيال الكاتب.
•• المصدر:
حوار صحفي كتبه ونشره - الكاتب - في صحيفة( الوفد) المصرية عام 2007.



