في فضاء تغلفه الظلمات الرمادية، حيث الأصوات تتشابه، والمعاني تتبدد في هواء ملوث بالأيديولوجيا، ينبثق صوت الدكتور حسن حماد ككوكب مستقل المدار، لا يحاكي غير ضوء ذاته، ولا يتكئ إلا على وعي تشكل في محراب السؤال ونار المواجهة. إنه من ذلك الطراز النادر من المفكرين الذين لا يكتفون بإنتاج المعرفة، بل يعيشونها كمسؤولية، ويحملون وجع الواقع ويجعلون من القلم سلاحا ضد التحجر والانغلاق .
ويبرز كصوت عقلاني جريء لا يهاب اقتحام المسكوت عنه، ولا يتردد في تفكيك البنى الراسخة. وكصوت مختلف، لا يخشى ارتياد المجهول، ولا يأنف من مقارعة السائد. واستطاع ان ينحت لنفسه مكانا في صميم الفكر العربي، لا من خلال التكرار أو التلقين، بل عبر خلخلة المفاهيم، وإعادة بناء الذات .
حسن حماد، ليس مجرد أستاذ فلسفة، بل هو تجربة فكرية نابضة، تلامس في كتاباته مكامن القلق الإنساني، وتمنح القارئ قدرة على التفكير لا الحفظ، على المساءلة لا الإذعان. ولأنه يؤمن بأن الصمت تواطؤ، لا يهادن في طرحه، بل يجعل من الفلسفة مرآة نقدية تواجه الأنظمة، وتعيد للإنسان وعيه المسروق
لقد آمن بأن الفلسفة ليست ترفا أكاديميا، بل هي جوهر الوجود الإنساني، وسلاح من أراد أن ينجو من التشيؤ .
ولد حماد من رحم الأسئلة الكبرى. سؤال الحرية، سؤال الجسد، وسؤال الهوية. وبدلا أن يبحث لها عن أجوبة جاهزة راح يحفر في طبقات المعنى، مقتفيا أثر فوكو ونيتشه، لكنه منحاز دوما للإنسان الذي أنهكته أنظمة القمع والتقاليد الصدئة .
لا يؤمن بالفكر المعزول عن الواقع، ولا يرى في الفلسفة ملاذا نخبويا، بل يعتبرها واجبا أخلاقيا وثقافيا.
في محاضراته لا يدرس المفاهيم فقط، بل يشعل الأسئلة في عيون طلابه، ويزرع فيهم شرارة الرفض والتمرد .
ولعل أعظم ما يميز مشروع حسن حماد هو نزعته التحررية، وانحيازه المطلق للإنسان ككائن حر .
ليس حماد فيلسوفا يدرس من خلف منصات جامعية فحسب، بل هو تجربة عقلية تمشي على الأرض. عقل مشتبك مع العالم لا من باب الترف الأكاديمي، بل من بوابة الألم، من قلق الإنسان العربي وهو يعاني تحت وطأة المحرمات الثلاثة: السلطة، الجسد، والمقدس .
ومن هنا، فإن الحديث عن الدكتور حسن حماد، ليس حديثا عن شخص، بل عن مشروع تنويري متكامل تتقاطع فيه الفلسفة مع الفن وتتمازج فيه الجرأة مع الرهافة، ويستعاد فيه دور المفكر لا كمحاضر جامعي بل كضمير يقظ، وكسؤال حي لا ينام .
في كتابه ذهنية التكفير: الأصوليات الإسلامية والعنف المقدس"، يضع يده على الجرح الفكري والسياسي العميق الذي يعاني منه العقل العربي، مشخصا ظاهرة التكفير كنتاج لأزمة حضارية لا مجرد انحراف ديني .
أما في المقدس والسياسة فإنه يضيء منطقة خطرة في الفكر العربي محذرا من خلط المقدس بالسلطة حيث تتحول السيادة إلى استبداد روحي وجسدي وتستخدم النصوص كأدوات للهيمنة لا للهداية .
اما عن ثلاثية المقدس: الدين، الجسد والسياسة ، ففي كتابه دوائر التحريم (السلطة، الجسد، المقدس) يرسم خريطة دقيقة لمناطق الكبت التي تشكل العقل الجمعي، مشيرا إلى كيف تستخدم هذه الدوائر لخلق إنسان خائف ومروض وقابل للانقياد، ولا يمتلك وعيا بذاته أو جسده أو حقوقه .
في دوائر التحريم لا يكتب بحبر جامد بل يكتب بالوجع بالتمرد، بكلمات تهز الأساسات المهترئة التي بنيت فوق الخوف والصمت. إنه لا يهدم التقليد من أجل الهدم، بل يعيد مساءلته ليعيد إلينا إنسانيتنا المسلوبة .
وفي كتابه الخلاص بالفن: التراجيديا نموذجا ، يطرح سؤالا وجوديا عميقا: هل يمكن للفن أن ينقذ الإنسان من عبث العالم؟
و عن إمكانية أن يكون الفن ملاذا وجوديا، لا أقل جدارة من الدين أو الفلسفة
إن التراجيديا في فلسفته ليست مجرد شكل أدبي بل طقس روحي يتطهر فيه الإنسان من قبح العالم بالاعتراف بجراحه .
وفي النقد الفني وعلم الجمال يؤسس لرؤية ترى في الجمال والفن ضرورة لا تقل أهمية عن العقل أو الأخلاق في تشكيل الوعي الإنساني
وهو لا يرى في الفن جمالية منفصلة عن الوجود، بل يرى فيه معبرا خلاصيا تراجيديا يمكن من خلاله أن يسترد الإنسان حقيقته الممزقة وسط العبث
أما في كتابه فلسفة العبث فإنه ينقلنا إلى قلب القلق الوجودي حيث الإنسان العربي محاصر بين أنظمة خانقة وأحلام ضائعة..
حيث لا يخفي انحيازه للإنسان الذي تتلاعب به الفوضى، ولا يقدم لنا اجوبه نهائيه. حيث يستبقي الجرح مفتوحا لأنه يعرف جيدا أن جراح الفكر لا تلتئم إلا حينما تعرض للشمس.
واستطاع عبر كتابه محنة العبث ورحلة البحث عن خلاص: قراءة وجودية في أدب نجيب محفوظ أن يقدم رؤية فلسفية تحفر في عمق الرواية المحفوظية لتكشف عن صراعات الإنسان المصري مع العبث والبحث عن بصيص نجاة في عالم يغرق في الرماد .
لقد تجرأ حماد على أسئلة لا تزال ثقافتنا تتلو عليها تعاويذ الصمت. في كتابه المقدس والسياسه الذي عري فيه تواطؤ السلطتين الدينية والسياسية في صناعة الطاعة كاشفا كيف يتحول النص إلى قيد، والمقدس إلى وسيلة ضبط جماعي، لا منبعا للتحرر الروحي. ولعل فكر حماد هنا يتمدد نحو موقف شبيه بموقف فوكو من الخطاب والمعرفة، لكن بنبرة عربية.
فكر الدكتور حسن حماد ليس خطابا أكاديميا بل توتر دائم بين الحرية والمعنى، بين الجسد والمقدّس، بين الإنسان وما يراد له أن يكونه .
وفي زمن تعيد فيه الفلسفة إنتاج الصيغ القديمة، يصر هو على أن تكون الفلسفة سلوكا قلقا ناقدا، مفتوحا على الجراح.. وهنا يكمن مجده:
ليس الدكتور حسن حماد مجرد مفكر كتب عن الحرية بل هو من منح الحرية صوتها وسط ضجيج الصمت و ليس فيلسوفا يختبئ خلف النصوص بل نصا حيا يمشي بيننا، يقلق الثابت ويوقظ الغافل، ويعلمنا أن التفكير مقاومة وأن السؤال خلاص .
يظل فكر حسن حماد مرآة نقية ومرعبة في آن واحد لأنها لا تجمل بل تكشف ولا تهادن بل تشتبك
لك منا عرفان لا يقال بكلمات، بل يجسد كلما تجرأنا على السؤال، ورفضنا أن نكون تابعين، وكتبنا كما علمتنا، لا من أجل الشهرة ، بل من أجل الحقيقة
و كلما كتبنا بحرية، كلما رفضنا القيد، كلما آمنا أن الإنسان لا يكتمل إلا بفكر حر وقلب لا يخاف .



