الكاتبة : د.ايمان هريدي
كنتُ أعرف طريقًا سرّيًا يقودني إلى سرداب الذكريات...
دربًا لا يسلكه إلا من خبّأ طفولته في جيب القلب، وترك وراءه ظلًّا يركض في الأزقة.
كانت الطريق إلى حديقة البيرة، قبل أن تُعرف بـ "مركز إسعاد الطفولة"، محفوفةً بالخطر.
ليس لأن الأرض موحلة، بل لأنني لم أكن أملك ذاك "الشيكل" اللعين، ثمن الدخول إلى مملكة السحسيلة الصفراء، التي يتوّجها رأسٌ أحمر كبير، ككوكبٍ من الطفولة المعلّقة في السماء.
وأشجار السرو... وسرمديّة الحكايات...
كنتُ أدخل متنزه البيرة كمن يعبر إلى حُلم.
أحدّق في الورود الجوريّة، أتأمل الأصفر والأحمر، كأنني أبحث عن ألوان روحي في بتلاتها.
وكانت صحون البوظة على الطاولات تُدهشني...
ألوانها تلمع كأمنيات لم تُقال بعد.
ويا لها من طفولة! فضيحتي المُعلنة...
كنا، نحن أطفال الحارة، نتجمع كالعصافير حول نافورة زرقاء، نسبح فيها، نضحك وتعلو أصواتنا.
وفي خلفية المشهد، أعراس مدينة البيرة تصدح أغنية "حمامة بيضاء" كأنها ترتّل على مسامعنا:
"حمامة بيضا رفرفت فوق بجناحي..."
وكنت أنظر، من بعيد، إلى حديقة الألعاب المحاذية للمتنزه، وكان ثمن الدخول شيكلٌ واحد... لكنه كان أثقل من ميزانية طفلة.
لكن أطفال الحارة كانوا أذكى من أن ينهزموا أمام "شيكل".
اكتشفوا دربًا مختصرًا، نمرّ بمحاذاة مركز الإطفاء — وكان مكانًا مرعبًا يخنق الخطى — ونتجاوز ورشةً تشبه هاويةً مظلمة لإصلاح سيارات البلدية.
كنت أخشى السقوط فيها، لكنها لم تمنعني عن المضي... فالسحسيلة كانت تستحق المشقة.
ثم نصل إلى بوابتنا السريّة: فتحة بين شجيراتٍ صغيرة مليئةٍ بالشوك.
نتسلل منها كأحلامٍ خجولة، نلج المتنزه خلسة، ونخرج من بابه الكبير كأنّنا أبطال أسطورة صغيرة.
نحمل الفرح كوسام على صدورنا، ونركض في اتساع الحلم.
أما تلك "الدواخة" الحديدية، الدائرية كدوّامة الحياة، فقد كانت عدوي اللدود؛
ركبتها مرة، فدارت بي الدنيا حتى لفظتُ ما في جوفي.
يا لروعة متنزه البيرة قديمًا...
يا لذاك الجمال الذي لم أعرف له بديلًا حتى الساعة.
وكان هناك حارسٌ أمين، يُشبه ظلّ ملاكٍ يسهر على المراجيح دون ضجيج.
جاري، أبو عمر... ناصر شحادة عابد
ذاك الشاب اليافع، الذي بدا وكأنّه يملك مفاتيح السعادة في جيبه، ويمنحها للأطفال دون أن يُدرك.
كان يضع نظّارات كبيرة تُخفي خلف عدساتها زرقة سماء المدينة، وتلمع فيها أزقّة البيرة القديمة كمرآةٍ من حنين.
شَعره كثّ، لحيته نامية على مهل، تواري في ملامحه صبر الرجال ونُبل العابرين في الطفولة.
نعم... عرفته. فقد كان جاري.
ابن زهيرة كما أسميه...
تلك المرأة التي لطالما فرضت على الحارة هيبةً لا تُكسر.
كانت زهيرة، رحمها الله، ترتدي ثوبها البيج ومنديلها الأبيض، وتخرج كأنها "أوامر عُرفية" تمشي على قدمين.
حين تُطلّ، ينكمش الأطفال في زوايا الحارة، وتتبدّل لهجات اللعب إلى صمتٍ خائف.
كانت تُعلن حظر التجوّل بكلمة، وتهددنا بسوط غضبها الذي لا يُرحم.
"ويحك إن لعبت!"
تسبقها النظرة وتلحقها الشتيمة، ويتبعها الضرب إن تجرأت الأقدام الصغيرة على العصيان.
لكننا كنّا ننتظر رحيلها إلى أريحا كما ينتظر الأسرى ضوء الفجر.
ننتنفّس عند غيابها، وحين تُغلق خلفها الباب، تبدأ مغامرتنا الصغيرة بالانتقام...
نسرق الليمون من أشجارها، ونقطف الرمان كما لو كنا نستردّ كرامتنا من عنادها الصارم. .
أذكر جيدًا، رغم أنني كنت طفلة صغيرة، عرس ناصر…
كان يمتطي فرسًا سكّنيًا كتقليد تراثي للبيرة، كأمير من حكاية البلدة القديمة، يُزف إلى عروسه نبيلة…
نبيلة السمراء، الخجولة.
ما أطيب قلبها… وكم أحببتها.
ووجدتها رسمة في وجوه أبنائها: عمر، حمزة، سهام، نهاد، وأسمى…
كلٌّ منهم كان يحمل شيئًا من ملامحها، من طيبتها، من دفء عينيها.
كنت أساعد عمر في دروس الرياضيات، وكان ذكيًا على نحو لافت.
وفي ليلةٍ ما، رأيت والد نبيلة في حلمٍ غامض، يهمس بآية قرآنية،
ثم قال لي:
"أخبرني، نبيلة، ألا يتفرّق الإخوة."
كان الحلم يقطر وجعًا.
نبيلة…
علّمتني شرب النسكافيه، وقدّمت لي في صمتها درسًا في الكرم والنظافة والاعتناء بكل تفصيلةٍ في الحياة.
كانت مهووسة بالنظام، بصوتها المبحوح تخبرني يومًا بعد يوم كيف تصنع الحياة بأدوات صغيرة.
كنت أتعجّب من قدرتها على تعليم طفلتها الصغيرة أعمال المنزل والمطبخ بكل حنانٍ ومسؤولية.
أحسنتِ يا نبيلة…
أما أمي، فكانت تخاف علينا من لهب المطبخ، حتى كبرتُ وصرتُ لا أعرف كيف أعدّ فنجان قهوة،
ولا كيف تُطهى وجبة…
آهٍ يا نبيلة،
هل لي الآن بصينية حلوى من تحت يديكِ؟
هل أستطيع أن أمدّ يدي عبر الذكرى، فأستعيد دفء نكهتك؟
كم أشتاق لمشهدكنّ جالسات عند عتبة "حنان الساكب" – أم ساكب،
تلك الجميلة ذات العيون الملوّنة،
التي غادرت إلى "الشعب"، في بيرواية صافية لم تُكتمل.
كم كنت أزعجها، وأضايقها، وأحب ضحكتها رغم كل شيء.
عمّا كنتنّ تتحدّثن؟
ربما عن جارتي عيده،
تلك التي هاجرت إلى أمريكا،
وكانت لا تترك باب بيتها دون أن تلمعه كأنها تنفض الغربة عن مفصل الحياة.
أين أنتِ يا عيده؟
ماذا حلّ بكِ بعد عثرات الزمن؟
جاري ناصر…
شابٌ طموح، يحمل في خطواته مشيةً لا تُشبه أحدًا، كأن الأرض من تحته لا تروي حكايةً مألوفة.
كنتُ أراه عند باب بيته، يضحك أحيانًا، ويحدّق طويلًا في السماء، كمن يسألها أمنيةً مؤجّلة،
أو يتوسّلها رحمةً غائبة…
كنت أراه وحيدًا، يتيمًا… ولم أكن أفهم آنذاك ما الذي تعنيه كلمة "يتيم".
الآن فقط أدركت…
حين كبرتُ، وحين أخذ الموت منّي أمي،
أدركتُ ما يعني أن تخلو الحياة من دفء الأم،
من صراخها، من عتابها، من خبزها الذي يشبه قلبها…
كم ألعن الموت، رغم أني أقرّ بأنه حق لا يُرد.
ناصر، جاري، ظل مختلفًا دومًا…
ربما لأنه كان يخسر كثيرًا في لعبة أوراق الشدّة،
أو لأن الحياة لم تُنصفه إلا متأخرًا.
واليوم… له مقهى صغير عند جامع العين،
ويجلس فيه كمن يفاوض الزمان بابتسامة مُرّة.
يالها من مفارقة…
لو أن زهيرة – رحمها الله – علمت بذلك،
لما تردّدت أن توبّخه علنًا، وتشدّ خصال شعره كما فعلت معنا يومًا…
كانت إذا غضبت، زرعت الرعب في الحارة كلها،
لكنها، في غضبها، كانت تحمل شيئًا من المحبة التي لا تفسدها القسوة.
آه يا زهيرة…
ليتك تعودين،
ليعود معك زمن البدايات،
وتعود معه أزهار أريحا البنفسجية…
تلك التي كانت تشبه حلمًا ينبت على الرصيف،
ولا يطؤه إلا الأطفال الذين لا يملكون إلا قلوبهم.
أتدري يا جاري؟
بعد أن غزا الشيب لحيتك،
وباتت خطواتك المتثاقلة تُشبه بطريقًا يُكافح فوق جليد الهموم،
ما زالت الطيبة تسبقك… تشهد لك في حضورك وغيابك،
تشفع لك عند من عرفك طفلًا، شابًا، ورجلًا أنهكته الأيام.
لقد صارعتَ الحياة بأسنانك، لا لتنتصر، بل فقط…
لكي تبقى واقفًا.
لكي تحيا رغم العواصف التي اجتاحتك،
رغم الخسارات التي لم تُعلَن،
ورغم الوحدة التي اتخذت من قلبك وطنًا صامتًا.
أتدري يا جاري؟
كلّما مررتُ بمشهدٍ ثقافي من صنع بلدية البيرة، أراك فيه…
أراك أنت، وعامر عوض الله، ومَن مثلكما من أبناء الحلم الكبير…
أنتم الذين غزلتم من خيوط التعب نسيج المدينة،
وكنتم زرّاعها، وحُصّادها، وسُقاة شجرها في زمن القحط.
أراك في وجه كل من جدّ واجتهد، من غرسَ في أرضها، وسهرَ على شوارعها،
من نفض عن حجارتها غبار التعب، وسقى شجرها بعرق الكدّ.
أراك في زملائك، كبارًا وصغارًا،
في كلّ مَن عشِق البيرة، وفي كلّ مَن حمل ثمارها على كتفه،
دون ضجيج، لكن بكثيرٍ من الصبر، وكثيرٍ من الوفاء.
أراك تمضي في المنى والقرى،
تخطو المسارات كأنّك تتحادث مع الطبيعة،
تحكي لها عن تعبك، عن همّك، عن الرغيف الذي تطارده كي لا يجوع صغارك.
تُشبه في اجتهادك نزار الرمحي، وفي مثابرتك أبا محمد عابد،
وتُشبه أولئك الفتية الذين لا أعرف أسماءهم،
لكنني أحفظ وجوههم… تلك الوجوه البيرواية،
المتعبة، الضاحكة، الراكضة خلف كرة على تراب الحارة.
أما قهوتك يا أبا عمر، فشيء آخر…
لا يعبق برائحة الميرمية، ولا يُشبِه نكهة المقاهي الشعبية في المدينة،
قهوتك طعمها طَعم فكرة لا تموت،
طَعم يدٍ لا تبخل،
وطيبةٍ تشبه الجذور العميقة لشجرة لم تخلعها الريح، رغم قسوتها.
شكرًا لك، يا جاري،
لأنك مثالٌ للصبر حين تشتدّ العثرات،
شكرًا لأنك جسرٌ بين متنزه الطفولة ومركز إسعادها،
شكرًا لأنك تُمثّل وجوهًا تتعب وتُعطي في بلدية البلدية
شكرًا لك، يا جاري...
لأنك ظلُّ المتنزه القديم،
ورائحة البرتقال عند عتبات البدايات،
شكرًا لأنك اخترت نبيلة، السمراء الطيّبة،
تلك التي علّمتني كيف يكون للكلمة المبحوحة طعم الأمومة.
شكرًا لعمر، الذي حين سألته: "هل والدك رونالدو؟"
أجاب ضاحكًا: "اسألي نزار الرمحي وحمودة… كانا ميسي البيرة في تلك الأيام."
وشكرًا لأنك ذكّرت قلبي
كيف حلق ذات مرة عند السحسيلة الصفراء…
فارتجف كما ترتجف عصافير الحنين حين تستعيد دفء أعشاشها الأولى.



