نص تقديمي لمؤلف الكاتبة الفلسطينة مريم اللبدي الموسوم ب" ذرة تراب على جبين عاشق / شخصيات فلسطينية عربية ـ سير ذاتية /// الجزء الثاني
تقديم : د. محمد أحمد جمال
يأتي هذا السفر الثاني الذي تقدمه الأستاذة المقتدرة مريم اللبدي ـ باقة ورد فياحة بكل الألوان ـ كحلقة ثانية في سلسلة مشروعها الثقافي والقومي النبيل، الذي نذرت نفسها من خلاله لجمع سير الكفاءات الفلسطينية في مختلف الاهتمامات: في المعلوميات والأدب والتشكيل والهندسة والطب وعلم النفس وعلم الاجتماع والتاريخ.... إلخ.
ولا يخفى على القارئ الكريم ما يتطلبه مثل هذا العمل الجبار من جهود مضنية، وذلك بالنظر إلى التحديات التقنية والسياسية والشخصية التي طالما كابدتها الأستاذة مريم اللبدي في سبيل تحصيل هذه السير الرائعة من مصادرها بما يلزم من التحري لضبطها وتوثيق مستفادها.
فإن تكن أعداد من أبناء فلسطين الأبية قد تفرقوا في عدة بلدان من العالم بفعل التهجير القسري والتضييق المخزي على الحريات، فإنهم لم ينسوا يوما دفء وطنهم الأم بقدر ما لم ينسوا داعي الواجب إلى الوفاء لتربته المقدسة وما يتطلبه حب الأوطان من الذود عنها بكل الوسائل المشروعة فطرة، ودينا وخلقا وقانونا. ولا ذود عن الأوطان في عالم التكنولوجيا وسباق العلوم إلا بتكوين الذات علميا وثقافيا، وما ذلك إلا لإيمانهم بما ينتظرهم مستقبلا من إعادة بناء الذات ولملمة الشعث وتضميد الجراح وترميم الشروخ ومعاودة النهوض.
لم ينسوا يوما أن الهزيمة في معارك يتيمة ليس انهزاما في الحرب كلها، إذ الحرب سجال والأيام بين المتحاربين دُول. حال هذه الكفاءات الفلسطينية الفذة كحال الجياد الأصيلة المحاربة مع الكبوات. فمن الكبوات تتعلم الجياد المتمرسة بالصولات كيف تتقي عثرات الأوعار في الجبال والربوات.
بهذا الحس القومي الخلاق ناضل أبناء الجالية الفلسطينية في المهجر من أجل تحصيل الشواهد في مختلف العلوم والحرف والفنون: في التكنلوجيا والصناعات والطب والآداب والتاريخ والفلسفة والاجتماع والزراعة والبيطرة والهندسة والتعليم والتشكيل ... إلخ. وبذلك حق لهم أن يفخروا بالانتساب إلى أرض فلسطين.
على أن الصامدين منهم في أرض فلسطين اليوم على الرغم من تحديات التضييق والعوائق المفتعلة ضدهم، لم يتوانوا عن تكوين ذواتهم في سبيل طرد أسباب الجهل والخوف وفي سبيل تمتين أسباب القوة والإيمان في نفوسهم.
وبضم هؤلاء إلى أولئك في هذه الباقة العطرة من السير الفلسطينية الرائعة في هذا الجزء الثاني، تضع المؤلفة بين أيدي القارئ الفلسطيني والعربي والمسلم لبنة أخرى في صرح حفظ الذاكرة الفلسطينية. وسجلا قوميا أشبه بفهرسة مرجعية للقارئ الفلسطيني البسيط والمتعلم والعالم. هي في تقديري وثيقة حية أحسبها دليلا مرجعيا وضعته المؤلفة رهن إشارة أهل الحل والعقد من حكماء فلسطين،بل ورهن إشارة المسؤولين عسى أن يستفيدوا من هذه الكفاءات فيما هم في الحال وما هم مقبلون عليه من استحقاقات في المآل القريب بإذن الله تعالى.
وإيمانا مني بالقضية الفلسطينية إيمانا لا يتزعزع منذ نعومة أظافري، وكمغربي فخور ببلاء أجدادي المغاربة في الحروب الصليبية مع السلطان صلاح الدين الأيوبي ذودا عن ثغر فلسطين والقدس الشريف، وما تلا ذلك من سيلان دماء المغاربة في أرض الجولان في ملحمة أكتوبر المجيدة، أرى من واجب التاريخ المشترك علي أن أحتضن عمل الأستاذة مريم اللبدي وذلك بالمراجعة والضبط والتوضيب والترتيب وما يقتضيه التهذيب حتى يخرج في حلة لائقة رائقة تيسيرا لقراءة مضمنه وضمانا لمتعة ترسيخه في ذاكرة الجيل الجديد والأجيال القادمة.



