رئيس التحرير

من الأسر إلى المنفى: الأسرى المبعدون بين حرية الجسد وغربة الروح

125 مشاهدة
من الأسر إلى المنفى: الأسرى المبعدون بين حرية الجسد وغربة الروح

الكاتب : واصل الخطيب 

رئيس التحرير

حين خرج الأسرى الفلسطينيون من بوابات السجون الإسرائيلية في إطار صفقة التبادل الأخيرة بين حركة حماس وإسرائيل، بدا المشهد للوهلة الأولى وكأنه انتصار للحرية على القيد. غير أن جزءاً من هؤلاء الأسرى لم يخرجوا إلى بيوتهم وأزقة مدنهم وقراهم، بل وجدوا أنفسهم على متن حافلات وطائرات تنقلهم إلى القاهرة أو تركيا أو دول أخرى، في رحلة جديدة من المعاناة عنوانها المنفى القسري. فقد تحولت الحرية التي انتظروها سنوات طويلة إلى حرية منقوصة، إذ تحرر الجسد من الزنزانة بينما بقيت الروح أسيرة الحنين إلى الوطن.

في التجربة الإنسانية للأسرى المبعدين تتداخل مأساتان في آن واحد؛ مأساة السجن التي استنزفت أعمارهم وشبابهم، ومأساة الإبعاد التي حرمتهم من أبسط أحلامهم: معانقة الأمهات والآباء والأبناء عند عتبة البيت. فالكثير منهم قضى عشرين أو ثلاثين عاماً خلف القضبان وهو يرسم في مخيلته لحظة العودة إلى مسقط الرأس، وحين جاءت تلك اللحظة اكتشف أن الطريق إلى الوطن ما زالت مغلقة، وأن الاحتلال استبدل جدران السجن بجغرافيا المنفى.

الغربة التي يعيشها هؤلاء ليست غربة عادية يمكن قياسها بالكيلومترات. إنها غربة مركبة، تبدأ بالابتعاد عن فلسطين ولا تنتهي عند حدودها. فهناك غربة عن العائلة التي كبرت وشيخت في غيابهم، وغربة عن البيوت التي تغيرت معالمها، وغربة عن الشوارع التي حفظوا أسماءها ثم أصبحت مجرد صور في الذاكرة. بعضهم خرج ليجد أبناءه رجالاً لم يعش طفولتهم، وبعضهم لم يعد يملك سوى صور قديمة لأمهات رحلن قبل أن تتحقق لحظة اللقاء.

لقد عاش كثير من الأسرى سنوات الاعتقال وهم يتلقون أخبار الفقد بالتقسيط. مات آباء وأمهات وإخوة وأخوات بينما كانوا خلف القضبان، ولم يسمح لهم بإلقاء نظرة الوداع الأخيرة. كان خبر الوفاة يصل إلى الأسير كحكم إضافي لا تنطق به المحكمة، بل يفرضه واقع السجن نفسه. واليوم، بعد التحرر من الأسر، يجد بعض المبعدين أنفسهم يواجهون شكلاً آخر من الفقد؛ فهم يشاهدون جنائز أقاربهم عبر شاشات الهواتف أو يسمعون نبأ الوفاة من آلاف الكيلومترات دون أن يستطيعوا الوصول إلى المقبرة أو احتضان أفراد العائلة في لحظات الحزن. وهكذا يستمر السجن بصيغة مختلفة، حيث يتحول المنفى إلى حاجز يمنع الإنسان من ممارسة أبسط حقوقه الإنسانية في الفرح والحزن.

سياسياً، يمثل الإبعاد أحد أكثر الإجراءات إثارة للجدل في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لأنه لا يقتصر على إطلاق سراح الأسرى بل يفرض عليهم عقوبة إضافية تتمثل في اقتلاعهم من بيئتهم الوطنية والاجتماعية. فالاحتلال يدرك أن الأسير لا ينتمي إلى ذاته فقط، بل إلى شبكة واسعة من العلاقات والرموز والانتماءات، ولذلك يصبح الإبعاد محاولة لفصل الإنسان عن جذوره وذاكرته الجماعية. وقد انتقل عشرات الأسرى المحررين عبر مصر إلى دول عدة، من بينها تركيا، بعد الإفراج عنهم ضمن الصفقة الأخيرة.

ومع ذلك، فإن تجربة الأسرى الفلسطينيين عبر العقود أظهرت أن المنفى لم ينجح في محو الهوية الوطنية. فكثير من المبعدين السابقين حولوا أماكن إقامتهم الجديدة إلى منصات للدفاع عن قضية شعبهم، وحافظوا على ارتباطهم بفلسطين رغم المسافات. لكن هذا البعد الوطني لا يلغي الألم الإنساني العميق الذي يرافقهم يومياً. فالإنسان لا يعيش بالشعارات وحدها؛ إنه يحتاج إلى بيت يعرفه، وشارع يسير فيه، وأم تفتح له الباب، وقبر يزوره حين يشتاق إلى من رحلوا.

في القاهرة أو إسطنبول أو أي مدينة أخرى، يحمل الأسرى المبعدون فلسطين معهم في التفاصيل الصغيرة. في اللهجة التي يتحدثون بها، وفي الأغاني التي يستمعون إليها، وفي المفاتيح القديمة التي يحتفظ بعضهم بها رمزاً للعودة. لكن الوطن بالنسبة لهم ليس مجرد فكرة أو ذكرى؛ إنه حاجة يومية تشبه الحاجة إلى الهواء. لذلك تبدو غربتهم مضاعفة: فهم ليسوا مهاجرين اختاروا الرحيل، بل أسرى تحرروا من السجن ليجدوا أنفسهم في منفى مفتوح.

إن مأساة الأسرى المبعدين تطرح سؤالاً إنسانياً وأخلاقياً يتجاوز الحسابات السياسية: ما معنى الحرية إذا حُرم الإنسان من حقه في العودة إلى بيته وأهله؟ وما قيمة الإفراج عن الأسير إذا بقي ممنوعاً من السير في شوارع مدينته أو الوقوف على قبر أمه؟ بالنسبة لهؤلاء، لم تنته رحلة المعاناة عند باب السجن، بل بدأت مرحلة جديدة عنوانها انتظار العودة، والعيش بين ذاكرة الوطن وواقع المنفى، وبين فرحة التحرر ومرارة الاقتلاع.

وهكذا يبقى الأسير المبعد شاهداً على مفارقة قاسية؛ فقد كُسر القيد الحديدي الذي كان يحيط بمعصميه، لكن قيداً آخر ما زال يطوق قلبه: الحنين إلى فلسطين. فالغربة بالنسبة له ليست مكاناً يعيش فيه، بل وطنٌ لا يستطيع الوصول إليه.