الكاتب : وليد الهودلي
لماذا هي رحلة فريدة؟
لأنك تجد فيها الثورة بعنفوانها العالي، وتجد فيها النقد الاجتماعي والسياسي القوي الأمين الجريء، وتجد فيها النزف والألم والجرح الغائر، وفي ذات الوقت تجد فيها حلاوة اللغة وجمالياتها، رغم أنها تمسك بيد قلبك وتخوض به جبالاً وعرة مليئة بالشوك والصخور العاتية. تجد نفسك في مسار يجمع بين الجمال والمخاطرة.
هذا المعترك المشتبك ذاتياً في أعماق النص، والمنتشر على مساحات واسعة، والمحلّق في آفاق بعيدة يصعب حصره بوصف محدد المعالم؛ فأي وصف جامع يستعصي على الإحاطة به، لأن الكتابة عند صاحب هذا النص الملهم والممتع في آن واحد:
"نسيج لخيوط كفن، ورحلة نحو المجهول، واستعجال للحَتف السياسي والموت المبكر؛ هي أن تقول لا رغم حلاوة الـ(نعم)، ورغم الأثمان الباهظة التي ستجلبها هذه الـ(لا) المقدسة. إنها المطاردة الساخنة للرذيلة ودعاتها، وللخيانة ورموزها، وللعبث بأرواحنا وأعمارنا... الكتابة مخاض عسير، فحاذر ألّا يكون المولود مباركاً".
هذه كلمات يمكن أن نعتبرها نبراساً أو مقياساً للكتابة المسؤولة ذات الرسالة والهدف وصناعة الحياة. وهي تضعنا أمام كاتب يستشعر ويئن من ثقل الأمانة وحمل أوزارها، كاتب يدرك تماماً أن له رسالة سماوية تحفر عميقاً في أعماق النفوس وترسي قواعد حياة عظيمة ومستقبل مشرق حرّ لأمة عظيمة ينتمي إليها بكل حروفه وأفكاره حتى النخاع. وهذا أعظم ما لمسته في هذه الروح القوية الأمينة؛ فهي ذات فرع في السماء وأصل ثابت في الأرض. ثم تأتيك هذه القوة عبر جماليات اللغة وتجليات حلاوة قلّ نظيرها.
بروح نقدية عالية، وبلغته الجميلة الخاصة، تجده مثلاً يوجه سهام نقده:
"علّمونا صغاراً أن سقوط التفاحة أدى بنيوتن لاكتشاف قانون الجاذبية. ترى، ألم يدفع سقوط الناس الأخلاقي والاجتماعي إلى اكتشاف قانون الحد من الدونية وضرورة السمو إلى الأعلى؟".
وينتقد ظاهرة عبث السائقين المتهورين بأرواح الناس، حين يأتيها بمشاعر الحزن العميق والأسى القاتل وهو يرينا كيف يلمّلم أشلاء طرية لطفل خطفه الموت من تحت عجلات سائق طائش. وتكون المفاجأة المذهلة عندما يكون هذا الطفل البِكر لأسير يرسم لنا حزنه من خلف القضبان على وفاة بكره. فيبكي ويُبكينا بنصه الباكي حتى الرمق الأخير من دمع العين ونزف القلب.
ويرينا في نصه الجميل كيف تكون الكتابة :
"نزف يومي دون عناية مركزة. كثيراً ما تراودني نفسي عن التوقف عن الكتابة، ولكن سرعان ما أنحني لعاصفة المشهد وثورة اللغة وإلحاح اليراع واستغاثات قلب لا يكف عن النشيد ... ولهذا سأواصل. سأواصل الكتابة لأمي، وفي ظلالها تستريح الحياة على أمل العبور إلى الآخرة. سأكتب للبحر حيث الشر الكامن فيه، ومن كفيه تنبجس اثنتا عشرة قصيدة وملحمة كل صباح... سأكتب... سأكتب للقدس وهي تحني ضفائرها بالنار والبارود، وتكتحل أعينها بالتاريخ وسورة الإسراء، والبحر المتواري خلف الغيوم".
هنا، في هذه المقطوعة الغنية الثرية، يضع كاتبنا نبراساً للكتاب: من تستهدفون بكتابتكم؟ سجل حافل وميادين مفتوحة؛ فالكُل، بكل أصنافه وأنواعه وأشكاله الملتبسة، بحاجة إلى كتابتكم. وكأنه يريد أن يقول: فلا تتوانوا لحظة عن الكتابة.
ويحكي لنا عن بوح الليل وباحاته الواسعة:
"لا تكره قلمك على الكتابة حتى لا تجتر نصاً مشوهاً. كم هي لحوحة نصوص الليل! لا أنت قادر على إسكاتها، ولا هي تستسلم لنوم أو هدوء. فقم أيها المتقلب في الفراش، لتقلع النص وتقلع أوجاعه".
الكتاب غني، ويفتح في الروح مساحات واسعة للتأمل مع الفكرة واليقظة والإضاءة على ما نحن عليه من خرائط عربية يحكي لنا عنها حكايته. ولكن الأجمل أنه، وأنت تقرأ الواقع المرّ، لا تغيب عنك البتة متاع اللغة وسمو روحها، ويجعلك عاشقاً والهاً في رحابها التي أفسحت لهذا القلم الجميل أن يحلّق في سمائها العالية.
نحن في هذا الكتاب بين يدي كاتب رافعي جديد قادر على رفعنا إلى سماء اللغة لنحلّق معه عالياً، أجاد عجينة اللغة وخبز لنا خبزاً لقلوبنا وأرواحنا، أشبع قريحة اللغة من ألفها إلى يائها، وقدّم مع خبزه مائدة عامرة فاخرة. والجميل أنه لا أخال أحداً صاحب ذائقة يستطيع أن يقاوم أية وجبة قادمة، بل في ترقب وانتظار إلى أن يجود علينا من شهد ما يفتح الله عليه في الأيام القادمة.



