الكاتب : باسم خندقجي
منذ بداية تبلور الهوية الوطنية الفلسطينية، إبان الاستعمار البريطاني، والشعب الفلسطيني يواجه تحديات ومخاطر عديدة تهدد وجوده التاريخي وهويته الوطنية، أما المرحلة الحالية التي تتصاعد فيها حدة الإبادة الجماعية الشاملة، بأبشع صورها في غزة، فهي الأشد خطورة وفتكاً على المصير الجماعي للفلسطينيين، ليس في فلسطين المستعمَرة فحسب، بل في كل مكان، لأن الأمر بات يتعلق بمحددات الهوية الوطنية ومدى قدرة التمثيلات السياسية الفلسطينية، على تجسيد وتلبية تطلعات وتضحيات الشعب.
الذعر والارتباك، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه والبحث عن شرعية بأي ثمن، باتت هي المحددات الرئيسة للمنظومة السياسية الفلسطينية، المهيمنة على تمثيل الشعب الفلسطيني، حيث لم يشهد التاريخ السياسي الفلسطيني بمختلف أطيافه أزمة أخلاقية سياسية كالتي يشهدها اليوم، إذ نجحت مختلف الفصائل والأحزاب الفلسطينية على التوحد هذه المرة، ولكن توحدت في فشلها وانهيارها والتباساتها الأخلاقية، وعدم قدرتها وجرأتها على إعادة صياغة الخطاب السياسي الفلسطيني، والأهم من ذلك اعترافها العلني والصريح بأنها خذلت شعبها وتضحياته، عبر انهيارها وتفكك الجملة السياسية الفلسطينية الناظمة للبرامج والرؤى الخاصة بمنظمة التحرير الفلسطينية والأحزاب والفصائل الأخرى غير المنضوية تحت لواء المنظمة.
إن الإبادة الجماعية في غزة خاصة، وفي أرجاء فلسطين المستعمَرة كافة، لم تطل البشر والحجر فقط، وإنما طالت أيضاً الأسس الواهية لهذه المنظومة السياسية، وكشفت زيف ولا جدوى المراهنة على ما تسمى بقرارات الشرعية الدولية، التي رسمت بدورها ملامح المشروع والبرنامج السياسي الفلسطيني القاضي بدولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967، هذه الشرعية ذاتها التي عجزت وتعجز عن وقف جريمة تصفية الوجود التاريخي والإنساني والوطني للفلسطينيين في أرضهم.
وعليه فإن التساؤل في هذه اللحظة النفقية هو، ما جدوى ومآلات وجود هذه التمثيلات الفلسطينية المذعورة والمرتبكة، وهل هي حقاً الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني؟ وهل هي أيضاً الممثل المقدس والوحيد لمقاومة الشعب الفلسطيني؟ ومن يمتلك الحق بأخذ قرار الحرب وقرار السلم؟ تساؤلات على الفلسطيني/ة اليوم أن يحاصر بها هذه الأحزاب والفصائل، ليدرك أن الشعب الفلسطيني ببطولاته وتضحياته وصموده ومقاومته يستحق أفضل منها، أفضل من هذه التمثيلات التي تتراوح ما بين فصائل تثمن دور الرئيس الأمريكي في ما يسمى بخطة ومجلس السلام في غزة، وأخرى أصيبت بالفصام الوطني والسياسي، لتثبت جميعها، باختلالاتها السياسية، أنها لا تسعى إلا في إنقاذ وجودها هي وليس وجود الشعب الفلسطيني.
«القديم يلفظ أنفاسه والجديد لم يولد بعد»، هذه هي الجملة التي يجب أن يرددها الفلسطيني/ة في الوقت الراهن، ويجب أن نساعد القديم في عملية لفظ أنفاسه الأخيرة، عبر إقناعه بأن الشعب الفلسطيني حي وقادر على مواجهة التحديات، وليس مذعوراً من مواجهة مصير الإبادة والإملاءات والتحديات والإغراءات والنوايا المسمومة والمشبوهة، إذ ثمة جديد يلوح من آخر هذا النفق الدامس والمخيف، ثمة أفق جديد قادر على احترام دماء شعبه وفدائه، ويرفض الإقصاء ولغة التخوين والعنصرية والاستحواذ والهيمنة على القرار الوطني الفلسطيني، جديد قادر على صياغة هوية سياسية أخلاقية لا تستلب وعي الجماهير ولا تستغفلها أيضاً.
وهذا الجديد الذي يلوح في الأفق لا يعبّر عنه الفلسطيني/ة، الذي يعاني ويقف في وجه الإبادة الجماعية في فلسطين المستعمَرة فحسب، بل الفلسطيني/ة في كل ركن من أركان العالم، وما يشهده الشتات الفلسطيني اليوم من تحولات تشير في ما تشير إليه من اغتراب وحالة من اللا انتماء للمنظومة السياسية الفلسطينية بكل أطيافها، يؤكد مدى أهمية دور النخب الفلسطينية اللاجئة والمنفية والشتاتية، في سياق إعادة صياغة الجملة الأخلاقية الفلسطينية بمستوياتها السياسية والثقافية والوطنية والهوياتية، والإعلان بشكل واضح وصريح عن رؤية سياسية فلسطينية مغايرة، تستند إلى مرجعية أخلاقية مُوجِّهة وناظمة، وقادرة على توحيد الإرادة المشتركة للكل الفلسطيني، من دون إقصاء أو تمييز، مرجعية تؤسس لخطاب سياسي جريء ومفتوح على النقد والتصويب، ويرفض الاستفراد بتحديد المصير الجماعي للشعب الفلسطيني.
إن حالة الاغتراب الساخط – إذا جاز التعبير- التي يعيشها غالبية الفلسطينيين في أماكن وجودهم المتعددة، هي أحد أهم انعكاسات أزمة النظام السياسي الفلسطيني وفوضى الرعب التي تعتمل في أرجائه، في اللحظة الراهنة، وهذا الاغتراب لن يزول إلا عندما يدرك الفلسطينيون مدى الحاجة إلى دق ناقوس الخطر، وهو خطر وجودي مؤثر وعميق يجري التعامل معه باستهتار، وفي بعض الأحيان بصمود مزيف فارغ من معاني الصمود الحقيقية القاضية بأنك إذا أردت أن تصمد حتى النهاية عليك أن تقاوم.
* كاتب فلسطيني



