كتبت: فداء البرغوثي
إن الحديث عن الرجولة في السياق الفلسطيني لا يمكن أن يختزل في نطاق السلوك الفردي أو التمثيل الاجتماعي، لأن الرجولة هنا تتجاوز كونها مجرد بناء ثقافي أو دور اجتماعي محدود لتصبح انعكاسا لبنية استعمارية عميقة أعادت صياغة الوعي الفلسطيني على مدى عقود طويلة من القهر المادي والرمزي، إذ لا يظهر الاستعمار في فلسطين بوصفه قوة احتلال عسكرية فحسب، بل كنظام شامل لإنتاج الخوف وإعادة تنظيم الحياة، يتسلل إلى اللغة والعلاقات والبنى الرمزية والثقافية، ويعيد ترتيب مفاهيم القوة والضعف، والسيطرة والخضوع، والنجاة والمقاومة، بحيث يغدو الخوف ذاته لغة يومية لإدارة الوجود، وتصبح الرجولة فعلا دفاعيا قسريا يفرضه العنف الممأسس لا خيارا حرا للتعبير عن الذات أو تحقيق الكرامة الإنسانية. ومع ذلك، فإن النقد هنا لا يوجه إلى الفعل المقاوم ذاته — إذ تظل المقاومة فعلا مشروعا وضروريا في مواجهة بنية استعمارية تسعى إلى محو الوجود الفلسطيني ماديا ورمزيا — بل يوجه إلى الاستعمار بوصفه النظام الذي شوه المعاني وقيد التجربة الإنسانية، حين جعل المقاومة عبئا وجوديا على الجسد، وحولها إلى رد قهري على الإبادة بدل أن تكون مشروعا تحرريا متكاملا قائما على العدالة والكرامة.
وفي هذا المناخ المأزوم الذي يصنعه الاستعمار، تتشكل تجربة الرجولة الفلسطينية تحت ضغط دائم من العنف والنجاة، حيث يجد الرجال أنفسهم داخل واقع يربط الرجولة بالاحتمال لا بالأمل، وبالصلابة لا بالعاطفة، وبالقدرة على الاحتمال لا على التحول. يطالب الرجل بأن يكون جدارا صامتا للتماسك، يخفي هشاشته كي لا تفسر ضعفا، ويكبت حزنه لأن الحزن يصنف عارا، فيتعلم أن يعيش داخل جسده كمنطقة محايدة لا يسمح فيها بالعطب أو التعبير. ومع مرور الوقت، يصبح هذا النمط من الرجولة جزءا من البنية الثقافية التي تعيد إنتاج الهيمنة، فتترسخ قيم الطاعة والانضباط والامتثال للأقوى حتى داخل البيوت والمدارس ومؤسسات المجتمع، ويتحول الاحتلال من سلطة فوقية إلى نظام يسكن اللغة والتربية والعاطفة ويعيد تنظيم الوعي وفق منطق يربط القوة بالسيطرة والسكوت بالحكمة والانضباط بالفضيلة، فتغدو الرجولة مزيجا من الخوف والإنكار والعنف المكبوت الذي يتخذ شكل الشجاعة الظاهرية.
وفي ظل حرب الإبادة المستمرة التي التهمت الأخضر واليابس وأعادت صياغة معنى الأمان في الوعي الفلسطيني، يجد الرجال أنفسهم في مواجهة تجربة إنسانية بالغة التعقيد، حيث تختبر الرجولة على محك العجز أكثر مما تقاس بالقدرة، إذ لم تعد الحماية ممكنة بالمعنى المادي التقليدي في وجه آلة استعمارية تدمر كل شيء وتستهدف مقومات الحياة ذاتها. وفي مثل هذه اللحظات، يغدو من الضروري أن نعيد تعريف الفعل المقاوم ذاته، لا بوصفه حكرا على من يحمل السلاح، بل بوصفه شبكة واسعة من الأفعال التي تصون الحياة وتحمي المعنى في وجه المحو الممنهج: من الصمود داخل البيوت المهددة، إلى رعاية الأسر والعائلات، إلى التعليم، إلى العمل الإغاثي والمجتمعي، إلى سرد الحكاية الفلسطينية ومراكمة الذاكرة الجماعية، والإصرار على البقاء الإنساني رغم حضور الموت.
ومن هنا تأتي أهمية توسيع الفضاء العام للاعتراف بالمشاعر الإنسانية للرجال الفلسطينيين، بعيدا عن وصفها انكسارا أو ضعفا، بل كجزء من عملية المقاومة ذاتها، لأن التعبير عن الألم ليس نقيض القوة، بل هو فعل وعي واستعادة للذات من بين أنقاضها. وقد بينت تجربة "مشروع الذكورة" الذي نفذه مركز الديمقراطية في الشرق الأوسط كيف أن إتاحة مساحة آمنة للرجال كي يعبروا عن غضبهم وحزنهم وخوفهم، ويستعيدوا قصصهم الخاصة بعيدا عن لغة الاتهام أو الوصم، يمكن أن تتحول إلى فعل مقاوم بامتياز، إذ تعيد هذه العملية للرجال ثقتهم بقدرتهم على الفعل وتمنحهم أدوات جديدة لفهم ذواتهم خارج منطق القهر الذي فرضه الاستعمار.
لقد كشفت هذه التجارب أن الاعتراف بالمشاعر هو ممارسة تحررية، لأنه يواجه أحد أكثر أشكال الاستعمار خفاء وخطورة: الاستعمار النفسي الذي يسعى إلى تدمير صورة الإنسان عن نفسه وإقناعه بعجزه البنيوي. وعندما نعيد للرجال القدرة على البوح والاعتراف والمشاركة في إعادة تعريف الرجولة كمسؤولية جماعية، فإننا لا نحميهم فقط من التشويه النفسي الذي يزرعه الاحتلال، بل نعيد للمجتمع الفلسطيني توازنه الداخلي وقدرته على تحويل الألم إلى وعي، والنجاة إلى مشروع تحرر. فالمقاومة الحقيقية، في نهاية المطاف، لا تقتصر على مواجهة الاستعمار بالسلاح، بل تمتد إلى مقاومته داخل النفس، داخل اللغة، داخل العلاقات، وفي إعادة بناء الإنسان الفلسطيني ككائن يشعر، ويفكر، ويصمد، ويحب، ويقاوم كي يبقى حيا بمعناه الكامل.
ولذلك فإن إدماج الرجال في أجندة المرأة والسلام والأمن لا يمكن أن يفهم خارج هذا السياق البنيوي، لأنه ليس محاولة لإعادة التوازن بين الجنسين فحسب، بل مسعى لإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والتحرر من داخل البنية الاستعمارية نفسها. الرجال الفلسطينيون ليسوا جلادين ولا ضحايا محض، بل هم نتاج منظومة استعمارية معقدة تجعلهم في الوقت ذاته أدوات في إعادة إنتاج القهر وضحايا له، وهنا تتجلى الحاجة إلى بناء علاقة تحالف نقدي جديد بين النساء والرجال، لا تقوم على استبدال النساء ولا على محو تجاربهن، بل على إدراك أن مقاومة الاستعمار تستدعي مقاومة الذكورية التي تعيد إنتاج منطقه داخل المجتمع. فالمطلوب ليس إشراك الرجال بوصفهم حلفاء رمزيين، بل بوصفهم فاعلين نقديين يواجهون البنية التي شكلت وعيهم وقيدت إمكانهم الإنساني، ويعيدون تعريف الرجولة على نحو يجعلها فعل رعاية ومسؤولية لا سيطرة وإخضاع.
وعلى هذا الأساس، يمكن قراءة الأركان الخمسة لأجندة المرأة والأمن والسلام من جديد، باعتبارها دوائر متداخلة تعيد إنتاج مفهوم الأمن ذاته. فالمشاركة لا تكتمل إلا حين يعاد تعريف موقع الرجل داخل الفضاء السياسي والاجتماعي كشريك في تفكيك الهيمنة لا في إعادة إنتاجها؛ والوقاية تفقد معناها إن لم تشمل تفكيك خطاب الرجولة العنيفة واستبداله بنموذج إنساني قوامه الرعاية والمسؤولية؛ والحماية تظل قاصرة إن لم تعترف بأن العنف امن منظور النوع الاجتماعي يصيب الرجال والفتيان أيضا بوصفهم جزءا من البنية المقموعة، مع الحفاظ على مركزية النساء في المقاربة والتحليل؛ أما الإغاثة والإنعاش فيجب أن يتحولا إلى مشاريع تربط فيها فرص العمل وإعادة الإعمار بمهارات العدالة الاجتماعية، لا بأنماط السيطرة الاقتصادية. وبهذا، تصبح الأجندة في جوهرها مشروعا لإعادة توزيع السلطة والمعنى، لا لإعادة تأهيل العلاقات ضمن منطق القهر ذاته.
غير أن هذه الأركان، على أهميتها، تظل ناقصة من دون إدخال ركن خامس هو المساءلة، بوصفها جوهر الأجندة وغلافها الأخلاقي والسياسي في آن معا. فالمساءلة هنا لا تتعلق فقط بتتبع الانتهاكات أو معاقبة الجناة الأفراد، بل تتجاوز ذلك إلى مساءلة الاستعمار نفسه باعتباره البنية التي أنتجت العنف والذكورية القهرية وأعادت صياغة الوعي الجمعي عبر مؤسسات وأجهزة ومفاهيم عابرة للحدود. إن مساءلة الاستعمار هي شرط لإعادة المعنى إلى باقي الأركان، لأن المشاركة بلا مساءلة تصبح شكلا من أشكال التواطؤ، والحماية بلا مساءلة تتحول إلى إدارة للضرر لا منعه، والوقاية بلا مساءلة تغدو إصلاحا سطحيا دون تفكيك الجذر المنتج للعنف. ومن دون هذه المساءلة البنيوية، تبقى أجندة المرأة والسلام والأمن إطارا إداريا يصف الألم دون أن يغير أسبابه، ويقيس الضحايا دون أن يواجه من يصنعهم.
فالمساءلة، في معناها التحرري، هي إعادة تعريف لمن يتحكم في المعنى وفي الرواية، وهي استعادة القدرة على تسمية الجاني بوصفه جانيا لا شريكا في “السلام”، وهي محاسبة للنظام الدولي الذي سمح بتفريغ قراراته من مضمونها، وغطى استمرار الاستعمار بعبارات عن الاستقرار والتنمية. وحين تدرج المساءلة في صميم المقاربة، تتحول الأجندة من أداة لإدارة النزاعات إلى مشروع لتفكيك الاستعمار، ومن خطاب إنساني إلى مشروع سياسي أخلاقي يسائل البنى التي تنتج العنف لا مظاهره فحسب.
إن إدماج الرجال والفتيان في هذا الإطار التحويلي لا يمكن أن يختزل في مقاربة تقنية أو تمثيلية، بل يجب أن يربط بالغاية الجوهرية التي تشكل الأساس الأخلاقي لكل عمل جندري في فلسطين: إنهاء الاحتلال. فكل نقاش حول المساواة أو العدالة أو الشراكة يبقى ناقصا ما لم يواجه الحقيقة الأصلية وهي أن الاستعمار هو الذي عطل إمكانية الشراكة، وهو الذي شوه صورة الرجولة والأنوثة معا، حين جعل القوة مرادفة للبقاء لا للحرية، وحول الصمود إلى عبء دائم على الأجساد، والمقاومة إلى وظيفة للحياة اليومية لا خيارا سياسيا واعيا. لقد عوق الاحتلال فرص تعزيز الشراكة بين النساء والرجال حين فصل بينهما عبر سياسات وبنى تكرس التبعية والخوف، وجعل العلاقة بينهما محكومة بمنطق النجاة لا بمنطق الوعي والعدالة.
إن إدماج الرجال في هذا السياق هو، في جوهره، إعادة بناء للعلاقة التي دمرها الاستعمار، وإعادة تربية للمعنى بعد أن شوهته القوة، ومصالحة عميقة بين الذات والآخر داخل المجتمع الواحد. إنه فعل تحرري مزدوج: ضد الاستعمار الذي يحتكر تعريف الرجولة، وضد البنية الذكورية التي تعيد إنتاج منطقه في الحياة اليومية. فحين يربط إدماج الرجال بإنهاء الاحتلال، يصبح العمل من منظور الاجتماعي عملا وطنيا تحرريا، وحين تربط المساواة بمساءلة الجاني، تتحول العدالة من شعار إلى ممارسة مقاومة.
وهكذا يتضح أن المساءلة وإنهاء الاحتلال ليسا ملاحق ثانوية للأجندة، بل يمثلان مركزها الأخلاقي والسياسي، وأن إدماج الرجال والفتيان ليس إجراء إصلاحيا في الهامش، بل عملية إعادة تعريف جذرية لمفهوم القوة والعدالة والشراكة. فحين يساءل الاستعمار بوصفه بنية منتجة للذكورية القهرية، ويربط تفكيكه بإعادة بناء العلاقات الإنسانية على أسس من المساواة والرعاية، تتحول أجندة المرأة والسلام والأمن إلى أداة لمقاومة الاستعمار ذاته، ويتحول الخطاب الجندري من سياسة إدارة إلى سياسة تحرر، ومن مقاربة تقنية إلى مشروع لاستعادة الإنسان من قبضة الهيمنة. إن التحرر من الاستعمار لا يعني فقط استعادة الأرض، بل استعادة القدرة على الحب دون خوف، والشراكة دون وصاية، والقوة دون قهر، وهو ما يجعل من العدالة الجندرية، في السياق الفلسطيني، ليست غاية اجتماعية فحسب، بل أفقا للتحرر الإنساني الكامل، ومساءلة للعالم عن معنى الحرية حين تحاصر في جسد، أو تقاس بمدى الصمت في وجه الألم.
المساءلة وإنهاء الاحتلال: قراءة في إنتاج الاستعمار للرجولة القهرية وأفق الشراكة العادلة في فلسطين ..
وفي ضوء ما تقدم، يمكن بلورة جملة من المسارات العملية التي تترجم هذا الفهم البنيوي إلى سياسات قابلة للتنفيذ دون أن تفقد بعدها التحرري.
فأول ما يجب ترسيخه هو تسمية الجذور بوضوح في كل وثيقة أو سياسة تتناول قضايا العنف الجندري، إذ لا يمكن لأي إطار أن يواجه العنف دون أن يعلن أن مصدره البنيوي هو الاستعمار وما ينتجه من عسكرة وهيمنة وذكورية قهرية، بحيث تدرج فقرة إلزامية في كل سياسة تشرح جذور العنف وامتداداته في البنية الاستعمارية، لا كخلفية بل كأساس للفهم والعمل.
كما يجب اعتماد عدسة الذكورية البديلة كأداة تحليل رئيسية داخل تنفيذ أركان أجندة المرأة والسلام والأمن، بما يعني قراءة العلاقات من منظور لا يختزل الرجال في أدوار السيطرة ولا النساء في موقع الضحية، بل يفكك المنظومة التي أنتجت الطرفين داخل شروط القهر، ويقدم مفهوما جديدا للرجولة قائما على المسؤولية والرعاية والمساءلة الأخلاقية.
ومن هذا المنطلق، ينبغي تصميم برامج "رجولة الرعاية" التي تعيد وصل المجال الاقتصادي بالمجال الاجتماعي، بحيث تربط فرص العمل والدخل بمهارات التحول من منظور النوع الاجتماعي والعدالة الاجتماعية، أي أن تصبح المشاركة الاقتصادية نفسها أداة لإعادة تعريف القوة بوصفها عطاء لا امتلاكا، ومساحة للرعاية المشتركة لا لإعادة إنتاج التراتبية.
ويضاف إلى ذلك ضرورة حماية الفضاء المدني من محاولات الأمننة وإعادة إنتاج السيطرة، عبر وضع ضوابط واضحة تمنع تحويل مقاربات النوع الاجتماعي إلى أدوات ضبط سياسي أو مراقبة مجتمعية، وضمان أن تبقى منظمات المجتمع المدني فضاء للنقد والمساءلة لا امتدادا للسلطة أو للمانحين.
وفي هذا السياق، يصبح التمويل المرن طويل الأمد شرطا أساسيا لتحقيق التحول الحقيقي، إذ إن التغيير السلوكي والاجتماعي، يتطلب تراكما مؤسسيا طويل النفس، يربط بين التحول الفردي في السلوك والتحول الجماعي في البنية، ويفسح المجال للتجريب والتعلم بدل التقارير الكمية السريعة.
وأخيرا، لا يمكن تحقيق أي من هذه المسارات دون إشراك الرجال كحلفاء حقيقيين للنساء في مقاومة البنى الاستعمارية والذكورية التي أنتجت القهر ذاته، لا لتكرارها داخل المجتمع. فالشراكة هنا ليست مجرد تكامل وظيفي بل فعل سياسي أخلاقي يرتبط بالنضال التحرري، ويعيد تعريف العلاقة بين النساء والرجال كعلاقة تضامن في مواجهة نظام واحد للقهر، بعيدا عن أي شكل من أشكال المنافسة على موقع في داخله.
* مستشارة النوع الاجتماعي والإعلام



